كرم بدرة يكتب: القودة بين الدول: حين يصبح التنازل شجاعة لإنقاذ الشرق الأوسط
أبريل 29, 2026
الكاتب كرم بدرة
في تقاليد الصعيد، حيث الكلمة تسبق الرصاصة أحيانًا، وحيث الدم لا يُطفئه إلا موقفٌ يوازيه في الوزن والرمز، تظهر “القودة” كفعلٍ إنساني مركّب: ليس مجرد كفن يُقدَّم، بل اعتراف ضمني بالذنب، وإعلان استعداد لتحمّل العار من أجل وقف نزيف الدم. إنها لحظة فاصلة، يتقدّم فيها القاتل – أو من يمثله – عاريًا من القوة، متجردًا من الغطرسة، ليقول: “أنا مستعد أن أُدفن حيًا كي تعيشوا”.
وحيث أنني انتمي لصعيد مصر
ان هذه الصورة، بكل ما تحمله من قسوة ونبل في آنٍ واحد، تبدو اليوم كأنها خرجت من عمق الصعيد المصري، لتقف على مسرح الشرق الأوسط، حيث تدور معركة مفتوحة بين قوى كبرى، تُدار بأدوات حديثة، لكن بعقلية قديمة: عقلية كسر الإرادة، لا احتوائها.
حين ننظر إلى المشهد بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكن قراءته كصراع تقليدي بين دولتين، بل هو صراع بين مشروعين: مشروع يسعى لإعادة تشكيل الإقليم وفق ميزان قوة جديد، ومشروع آخر يحاول تثبيت ما تبقى من نظام قديم يتآكل ببطء.
لكن، كما في كل صراع طويل، هناك لحظة يصل فيها الطرفان إلى حافة الهاوية، لا أحد قادر على الحسم الكامل، ولا أحد مستعد للتراجع الكامل. وهنا، تحديدًا، يظهر مفهوم “القودة” كضرورة سياسية، لا كخيار أخلاقي.
من سيقدّم القودة؟
هل هي إيران، التي بنت سرديتها على الصمود والتحدي، وتجد نفسها اليوم أمام ضغط اقتصادي وعسكري غير مسبوق؟ أم الولايات المتحدة، التي تدرك أن أي انزلاق شامل في المنطقة قد يحرق ما تبقى من نفوذها الاستراتيجي؟
الإجابة ليست سهلة، لأن “القودة” في السياسة لا تُقدَّم علنًا كما في الصعيد، بل تأتي في صورة اتفاق، أو تفاهم، أو حتى انسحاب محسوب يُسوَّق داخليًا على أنه انتصار.
السيناريوهات المطروحة أمامنا محدودة، وإن بدت متشعبة في تفاصيلها.
الأول: استمرار التصعيد حتى نقطة الانفجار الكبير، وهذا المسار، إن حدث، لن يُبقي من الشرق الأوسط إلا خريطة ممزقة، حيث تتحول الدول إلى ساحات، والشعوب إلى أرقام في نشرات الأخبار.
الثاني: انهيار أحد الأطراف، وهو احتمال يتردد كثيرًا في التحليلات التي تتحدث عن “إيران أخرى تشبه العراق بعد 2003”. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن إيران ليست دولة معزولة أو ضعيفة البنية، بل كيان متماسك نسبيًا، يمتلك أدوات ردع غير تقليدية، وشبكة نفوذ تمتد عبر الإقليم.
الثالث: المفاجأة… تلك التي تُغيّر قواعد اللعبة، الحديث عن برنامج نووي يُدار في عمق الجبال ليس مجرد دعاية، بل ورقة ضغط حقيقية، وإذا ما تحولت هذه الورقة إلى واقع، فإن ميزان القوى سيتبدل جذريًا، وقد نجد أنفسنا أمام لحظة شبيهة بلحظات كبرى في التاريخ، حيث قوة صغيرة ظاهريًا تُربك قوة عظمى.
لكن هذا السيناريو، رغم إثارته، يحمل في طياته خطرًا وجوديًا على الجميع، لأنه يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة.
يبقى السيناريو الرابع، وهو الأقرب لمنطق التاريخ: التهدئة القسرية، أي أن يصل الطرفان إلى قناعة، ولو متأخرة، بأن الاستمرار في هذا المسار يعني الخسارة للجميع، وأن “القودة” – بصيغتها السياسية – هي المخرج الوحيد.
قد تأتي هذه القودة في شكل اتفاق مرحلي، أو وساطة إقليمية، أو حتى صفقة غير معلنة تُعيد ترتيب الأوراق دون إعلان المنتصر الحقيقي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور طرف ثالث يقف في الظل، يراقب، ويحسب، ويستفيد، فكلما طال أمد الصراع، وكلما استُنزفت القوى الكبرى في المنطقة، زادت مساحة الحركة أمامه، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي حين ينتصر طرف بشكل مطلق، بل حين يقرر الطرفان أن الخسارة المشتركة أصبحت أكبر من أي مكسب محتمل.
وفي منطقتنا، التي لم تلتقط أنفاسها منذ عقود، لم يعد هناك ترف الانتظار حتى النهاية.
إما أن تُقدَّم “القودة” – بأي صيغة كانت – ويُفتح باب لالتقاط الأنفاس، أو أن يستمر النزيف حتى لا يبقى من الجسد ما يمكن إنقاذه.
ربما يبدو الحديث عن تقاليد الصعيد في سياق صراع دولي أمرًا غريبًا، لكن الحقيقة أن الشعوب، مهما اختلفت ثقافاتها، تتفق في لحظة واحدة: لحظة الخوف من الفناء.
وعند هذه اللحظة، فقط، يصبح التنازل شجاعة، لا ضعفًا. وتصبح “القودة”… إنقاذًا للجميع، لا هزيمة لأحد.