كرم بدرة يكتب: ترامب الثاني.. حين تتحول السياسة إلى مقامرة كبرى بالتاريخ
أبريل 5, 2026
الكاتب كرم بدرة
في لحظات نادرة من التاريخ، لا يكون الخطر في القرار… بل في الشخص الذي يتخذه. وهنا، تحديدًا، تكمن خطورة ما يمكن أن نسميه بـ”ترامب الثاني” — ليس مجرد عودة رجل إلى السلطة، بل عودة عقلية ترى العالم كصفقة، والتاريخ كأداة تفاوض، والحروب كوسيلة لإعادة ترتيب الطاولة.
لم يكن ما جرى في العام الماضي مجرد اجتهاد سياسي أو قراءة تحليلية عابرة، بل كان استشعارًا مبكرًا لمسار يبدو الآن أنه يتبلور أمام أعيننا. فالرجل الذي كسر قواعد السياسة الأمريكية في ولايته الأولى، لم يعد اليوم مقيدًا لا بمؤسسات، ولا بتقاليد، ولا حتى بحسابات التوازن الدولي كما عرفناها منذ نهاية الحرب الباردة.
إننا أمام نمط جديد من القيادة، أقرب إلى “المغامر التاريخي” منه إلى رجل الدولة التقليدي.
الحرب مع إيران… ليست بداية، بل عنوان
حين تُفتح جبهة مع إيران، فالأمر لا يتعلق بدولة في الشرق الأوسط فقط، بل بمحور كامل يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، ومن الطاقة إلى الجغرافيا السياسية. إيران هنا ليست الهدف، بل هي “البوابة”.
ففي العقل الاستراتيجي الذي يحرك هذا المسار، السيطرة على الطاقة تعني السيطرة على العالم. ونفط الشرق الأوسط — كما كان دائمًا — هو القلب الذي إذا تم التحكم فيه، أمكن إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
لكن ما يثير القلق ليس الحرب ذاتها… بل ما بعدها.
إعادة رسم الخرائط… الحلم القديم يعود
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي عند حدود المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أخطر: إعادة رسم الخرائط. وما يُخشى اليوم هو أن تكون المنطقة مقبلة على نسخة جديدة — وربما أكثر قسوة — من اتفاقيات تقسيم النفوذ، ولكن هذه المرة في عالم أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
الحديث لم يعد عن حدود ثابتة، بل عن كيانات قابلة لإعادة التشكيل، وعن دول قد تتراجع أدوارها، وأخرى قد تُدفع إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، يصبح الخليج — بكل ما يملكه من ثروة — هدفًا مزدوجًا: ثروة يجب السيطرة عليها… ونموذج يجب إعادة تشكيله.
هل يمكن إفقار دول غنية؟ التاريخ يقول نعم
قد يبدو الحديث عن إفقار دول مثل السعودية والكويت مبالغًا فيه، لكنه في منطق الصراعات الكبرى ليس مستحيلًا. فالثروة ليست ضمانًا دائمًا، بل قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت محور صراع.
يكفي أن يتم تغيير قواعد اللعبة: أسواق الطاقة، طرق التصدير، العملات، التحالفات… لتجد دولًا كانت في قمة القوة، تعيد حساباتها من جديد.
وهنا تظهر خطورة المشروع: ليس تدميرًا مباشرًا، بل “إعادة ضبط” لموازين القوة الاقتصادية.
الصين الهدف الأكبر… وروسيا النموذج
إذا كانت روسيا قد تم إنهاكها عبر الحرب والعقوبات، فإن الصين تمثل التحدي الحقيقي. لكن التعامل مع الصين لن يكون عسكريًا بالضرورة، بل اقتصاديًا وتكنولوجيًا واستراتيجيًا.
الهدف هنا ليس إسقاط الصين، بل كبح صعودها، وإعادة إدماجها في نظام عالمي تقوده واشنطن بشروط جديدة.
لكن السؤال الأهم: هل يمكن احتواء الصين بنفس الأدوات التي استُخدمت مع روسيا؟ الإجابة ليست سهلة… لكنها ستكون محور السنوات القادمة.
2027… سنة مفصلية؟
حين تتكرر الإشارات إلى عام بعينه، فإن الأمر يستحق التوقف. ليس لأن المستقبل يُكتب بالتواريخ، بل لأن التراكمات تصل في لحظة ما إلى نقطة انفجار.
قد لا يكون 2027 نهاية مرحلة، لكنه بالتأكيد قد يكون ذروة مسار بدأ بالفعل: تصاعد التوترات، إعادة تشكيل التحالفات، وانكشاف هشاشة النظام الدولي.
والملحمة — إن حدثت — لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية وسياسية وثقافية.
مصر… خارج المعادلة أم في قلبها؟
في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز مصر كحالة خاصة. ليست فقط بسبب تاريخها، بل بسبب موقعها ودورها وقدرتها على التوازن.
قد يكون صحيحًا أن هناك تقديرًا للحضارة المصرية، لكن السياسة لا تُبنى على الاحترام، بل على المصالح. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف تتحول مصر من “دولة خارج الاستهداف” إلى “دولة فاعلة في إعادة التشكيل”.
الفرصة موجودة… لكن الفرص في التاريخ لا تنتظر طويلًا.
الخلاصة… بين القلق والوعي
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تحول قد تعيد تشكيل العالم كما نعرفه. و”ترامب الثاني” — كفكرة ومسار — يمثل أحد محركات هذا التحول، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام فوضى عشوائية… أم أمام نظام جديد يتشكل من رحم الفوضى؟
التاريخ لم يعطِ إجابته بعد. لكن المؤكد أن من لا يقرأ المشهد جيدًا… سيجد نفسه جزءًا منه، لا صانعًا له.