مقالات

محمد عادل حبيب يكتب: حين ينتصر المجتمع للقيم ويرفض الخطأ

في الفترة الأخيرة، تصدّرت عدة وقائع مؤسفة المشهد العام، وأثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل وفي الشارع المصري.
وبين سرعة تداول الأخبار وحدة التعليقات، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة واعية وهادئة، تضع كل حدث في حجمه الطبيعي، بعيدا عن التعميم أو جلد الذات.
الحقيقة التي لا خلاف عليها أن أي سلوك يمس الأخلاق أو الكرامة الإنسانية هو سلوك مرفوض، قانونا ومجتمعا، لكن الأهم من وقوع الحدث ذاته، هو كيف يتعامل المجتمع معه، وكيف يعبّر عن موقفه منه.
في واقعة التحرش، كان الرفض واضحا لا لبس فيه، غضب شعبي واسع، ومطالبات جادة بالمحاسبة، وتأكيد جماعي أن هذا الفعل اعتداء على القيم قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون، لم نجد تبريرا ولا محاولة لتجميل الخطأ، بل رأينا حالة وعي تؤكد أن المجتمع يرفض أي مساس بكرامة المرأة أو أمنها.
وفي واقعة الاعتداء على شاب وإهانته، تعاطف الناس مع الضحية، وارتفعت الأصوات المطالبة بالعدل. كان المشهد كاشفا لشيء مهم: أن كرامة الإنسان لا تزال خطا أحمر لدى المصريين، وأن الإهانة العلنية أو الاستقواء على فرد أمر لا يمر مرور الكرام في وجدان الناس.
أما الاعتداء على فرد أمن خاص، يعمل بجهده لكسب رزقه بالحلال، فقد قوبل بغضب شعبي واسع، لأن المصري بطبيعته يحترم الكادح، ويتعاطف مع البسيط، ويرفض الظلم أيا كان مصدره، الوقوف بجانب المظلوم ليس شعارا، بل سلوك متكرر يتجدد مع كل واقعة مشابهة.
وعندما تعرض طفل ووالده للاعتداء، اهتزت مشاعر الجميع. فالطفل رمز للبراءة، والاعتداء عليه يمس إحساسا إنسانيا عميقا لدى كل بيت، وكان الرفض الشعبي قويا وصريحا، بما يعكس أن حماية الضعفاء قيمة راسخة في ضمير هذا المجتمع.
اللافت في كل هذه الوقائع أنه مع ضبط المتورطين، ظهرت فرحة حقيقية في الشارع وعلى المنصات الرقمية، لم تكن فرحة شماتة، بل فرحة بعودة الحق، وبأن القانون قام بدوره، وبأن المجتمع لم يتخل عن قيمه، هذه اللحظة تحديدا تكشف جوهر الصورة: مجتمع يغضب للخطأ، ويطمئن حين يرى العدل يطبق.
من هنا، نصل إلى نتيجة مهمة: هذه الأحداث لا تمثل صورة المجتمع، بل هي تصرفات فردية داخل مجتمع حي، يقظ، يرفض الانحراف، ويغار على قيمه، المجتمعات لا تقاس بأخطاء بعض أفرادها، بل برد فعلها تجاه تلك الأخطاء.
  • نصف الكوب الممتلئ واضح لمن أراد أن يراه. شهامة المصريين ما زالت حاضرة، وغيرتهم على بعضهم البعض لم تغب، وروح التعاطف مع المظلوم لا تزال متجذرة، والخير في الناس، في النهاية، أكثر بكثير من أي سلوك شاذ أو هفوة فردية.
الرسالة الأهم اليوم أن نحسن القراءة، وألا نسمح للقطات المؤلمة أن تختزل الصورة الكاملة، التركيز على الوعي أولى من الاستسلام للخوف، والتمسك بالقيم أجدى من الوقوع في فخ الإحباط.
مصر كانت دائما أكبر من أي تصرف فردي، وشعبها أثبت، مرة بعد أخرى، أنه مع الحق، وضد الخطأ، وأن العدل حين يتحقق… يجد من يفرح به ويحرسه.
زر الذهاب إلى الأعلى