أخبار
نفيس: حماية الأسرة تبدأ ببناء المناعة الإيمانية والأخلاقية في الداخل
وكيل الرئيس العام في مجلس العلماء الإندونيسي يشارك في المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء
سبتمبر 2, 2026
أكد الدكتور محمد خليل نفيس، وكيل الرئيس العام في مجلس العلماء الإندونيسي، أن حماية الأسرة في العصر الحديث لا ينبغي أن تقتصر على القوانين والرقابة والمنع، بل تتطلب بناء «المناعة الإيمانية» والأخلاقية والعقلية لدى أفرادها، بما يمكنهم من مواجهة التحولات الفكرية والثقافية والتقنية المتسارعة.
جاء ذلك خلال مشاركة نفيس، اليوم الأربعاء، في أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد في القاهرة على مدار يومين، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبمشاركة مفتين ووزراء وعلماء وممثلين عن 80 دولة.
وقال نفيس، في كلمته التي حملت عنوان «الأسرة المصلحة لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها»، إن الأسرة تمثل النواة الأولى لبناء المجتمع، والحاضنة التي يتلقى فيها الإنسان قيمه وأخلاقه وهويته، مشيرًا إلى أنها تواجه تحديات متزايدة بفعل التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
وأضاف أن الحديث عن حماية الأسرة:
«لا ينبغي أن ينحصر في معالجة المشكلات الظاهرة، كالطلاق والعنف والتفكك، بل يجب أن يتجه إلى فهم الجذور الفكرية والقيمية التي تؤثر في بناء الأسرة ووظائفها ورسالتها»
وأوضح أن «الأفكار تصنع التصورات، والتصورات توجه السلوك، والسلوك يصنع مستقبل المجتمعات».
وأوضح نفيس أن الأسرة ليست مجرد اجتماع أفراد تحت سقف واحد، وإنما «مؤسسة إنسانية وإيمانية وحضارية تحفظ النوع الإنساني، وتنقل القيم، وتصون الهوية، وتنشئ الأجيال القادرة على حمل رسالة المجتمع».
الزواج مسؤولية ورسالة
وأشار إلى أن من أبرز التحديات الفكرية المعاصرة النظر إلى الزواج باعتباره علاقة قابلة للتغيير وفق الأهواء والرغبات، دون النظر إلى وظيفته الإنسانية والاجتماعية والحضارية.
وقال إن «الزواج في التصور الإسلامي عقد ومسؤولية ورسالة، وليس مجرد وسيلة لإشباع الرغبات»، مؤكدًا أنه يقوم على الإيمان والمسؤولية والمودة والرحمة.
وأضاف أن نجاح الأسرة «لا يقاس فقط بوجود الحب في بدايتها، وإنما بقدرتها على تجاوز الخلافات، وتحمل المسؤولية، وتجديد المودة والرحمة»، موضحًا أن الإسلام ينظر إلى الأسرة باعتبارها «شراكة في المسؤولية»، مع مراعاة طبيعة كل فرد ووظيفته وقدرته.
وأكد أن الرجل مسؤول عن النفقة والرعاية، فيما تمثل المرأة شريكًا كاملًا في بناء الأسرة وتربية الأجيال، وأن الطرفين يتعاونان لتحقيق الخير والاستقرار، مشددًا على أن «الزواج ميثاق، والأسرة أمانة، والأبناء مسؤولية، والمودة والرحمة هما الروح التي تحفظ هذه المؤسسة من التفكك».

من الحماية الخارجية إلى المناعة الداخلية
وشدد نفيس على أن حماية الأسرة لا يمكن أن تعتمد فقط على القوانين والرقابة والمنع، في ظل دخول المؤثرات الفكرية والثقافية والرقمية إلى المنازل عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمؤسسات التعليمية.
وقال إن المطلوب هو الانتقال من «حماية الأسرة من الخارج» إلى «بناء المناعة الإيمانية من الداخل»، موضحًا أن هذه المناعة تتمثل في امتلاك أفراد الأسرة قوة داخلية تستند إلى الإيمان بالله والوعي الديني والقيم الأخلاقية والشعور بالمسؤولية.
وأضاف أن الإنسان الذي يعرف دينه ويمتلك ميزانًا أخلاقيًا يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضار، مهما تعددت المؤثرات المحيطة به.
وأكد أن «الأسرة المحصنة ليست الأسرة التي لا تدخلها التحديات، بل الأسرة التي تمتلك القدرة على مواجهتها»، مضيفًا أن «الحماية الخارجية مؤقتة، أما المناعة الإيمانية فتبقى مع الإنسان حيثما ذهب».
وأوضح أن المطلوب ليس بناء جدران حول الأبناء، وإنما «بناء إيمان قوي، وعقل واعٍ، وضمير حي، وهوية راسخة»، مشيرًا إلى أن الوقاية الحقيقية تبدأ من التربية التي تجمع بين بناء القلب والعقل.
الأسرة المصلحة تتجاوز صلاحها إلى المجتمع
ولفت نفيس إلى أن الأسرة تمثل نقطة البداية في إصلاح المجتمع، وأن التربية الأسرية ينبغي أن تستهدف تكوين جيل صالح في أخلاقه وقادر على الإسهام في خدمة أسرته ومجتمعه.
وشرح مفهوم «الأسرة المصلحة» بأنها الأسرة التي لا تكتفي بتحقيق الصلاح داخل كيانها، وإنما تتجاوز ذلك إلى الإسهام في إصلاح المجتمع وتحقيق مصالحه، مؤكدًا أن الأسرة ليست مكانًا للمطالبة بالحقوق فقط، بل «ميدان للتعاون وتحمل المسؤولية».
وقال إن «كلما ازداد التعاون بين أفراد الأسرة، اقتربت من تحقيق المصلحة والاستقرار»، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وعدم النظر إلى حق الفرد بمعزل عن حقوق الآخرين.
الحوار والثقة لمواجهة العالم المفتوح
وأكد نفيس أن الأسرة المستقبلية لا ينبغي أن تقوم على السلطة الأبوية الصارمة وحدها، وإنما على «المشاركة والحوار والثقة»، حتى يجد الأبناء داخل البيت إجابات آمنة عن أسئلتهم قبل البحث عنها في مصادر مجهولة.
وأضاف أن الأبناء يعيشون اليوم في عالم مفتوح تتعدد فيه مصادر المعرفة والتأثير، ولذلك «لا يكفي أن نمنعهم من الوصول إلى المصادر المجهولة، بل ينبغي أن نبني في داخلهم القدرة على التمييز والاختيار».
وقال إن
«الأسرة التي تستشرف المستقبل هي التي تفتح باب الحوار قبل أن تفتح أبواب العالم أبوابه لأبنائها؛ وتستمع قبل أن تحكم، وتفهم قبل أن تنصح، وترافق أبناءها في رحلة النمو بدل أن تكتفي بمراقبتهم»
وأشار إلى أن التربية المستقبلية لا ينبغي أن تقتصر على صناعة أبناء مطيعين، بل يجب أن تسهم في إعداد أبناء «واعين، واثقين، قادرين على التفكير والتمييز وتحمل المسؤولية»، مع الحفاظ على إيمانهم وقيمهم وهويتهم.
الثبات على القيم والتجديد في الوسائل
وشدد نفيس على أن المطلوب ليس عزل الأسرة عن المستقبل، ولا الذوبان في كل جديد، وإنما الانفتاح عليه بوعي، والاستفادة من التطورات التي تحقق مصلحة الأسرة، ورفض ما يهدم قيمها أو يهدد تماسكها.
وقال إن «التقدم لا يعني التخلي عن الهوية، والانفتاح لا يعني الذوبان»، موضحًا أن الأسرة المستقبلية تحتاج إلى «معادلة متوازنة بين الثبات والتجديد؛ ثبات على الإيمان والقيم والأخلاق، وتجديد في وسائل التربية وأساليب التواصل والتعامل مع التحولات الاجتماعية والتقنية».
وأضاف أن الحكمة لا تكمن في التساؤل عما إذا كان ينبغي قبول الجديد أو رفضه، وإنما في تحديد «ما الذي ينفعنا منه، وما الذي ينسجم مع قيمنا ومقاصدنا»، بما يسمح للأسرة باستقبال المستقبل والاستفادة من منجزاته دون فقدان هويتها.
واختتم نفيس بالتأكيد على أن مستقبل الأسرة «لا يُنتظر، وإنما يُصنع اليوم داخل البيوت»، معتبرًا أن الأسرة التي تنجح في بناء إنسان مؤمن وواعٍ ومتوازن وقادر على تحمل المسؤولية «تسهم في بناء مجتمع صالح وحضارة راشدة».
كما أعرب عن تقديره لدار الإفتاء المصرية والقائمين على المؤتمر، متمنيًا أن تسهم أعماله في خدمة الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.
الوسوم
الدكتور محمد خليل نفيس المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء حماية الأسرة مجلس العلماء الإندونيسي تم نسخ الرابط
سبتمبر 2, 2026






