تواجه الجزائر واحدة من أعنف موجات حرائق الغابات خلال السنوات الأخيرة، مع تجدد النيران في شمال وشرق البلاد، وسقوط 12 قتيلًا وإصابة 54 شخصًا، بينهم 6 في حالة حرجة، وفق أحدث حصيلة أعلنتها السلطات. وسجلت مصالح الحماية المدنية 159 حريقًا نباتيًا في عدة ولايات خلال 24 ساعة، أُخمد 90 منها، بينما بقيت 69 بؤرة نشطة في آخر تحديث متاح.
وتأتي هذه الموجة الجديدة بعد موسم صيفي شهد بالفعل أعدادًا استثنائية من الحرائق، ما يجعل السؤال لا يتعلق فقط بحريق موسمي عابر، وإنما بمدى تحول ظاهرة حرائق الغابات في الجزائر إلى خطر مناخي وأمني واقتصادي متكرر، تزداد حدته مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الرطوبة وجفاف الغطاء النباتي.
أرقام ثقيلة.. والنيران تضرب عدة ولايات
تركزت الخسائر البشرية الأخيرة في ثلاث ولايات بشمال شرق الجزائر؛ إذ سُجلت 5 وفيات في جيجل، و4 في بجاية، و3 في تيزي وزو، بينما دفعت النيران السلطات إلى إجلاء عائلات من بعض المناطق بعد اقترابها من التجمعات السكنية.
وتعد بجاية من أكثر المناطق تضررًا في الموجة الأخيرة، إذ سجلت 18 حريقًا نشطًا في آخر حصيلة، مقابل 13 في سكيكدة و12 في تيزي وزو و7 في جيجل. وتعمل فرق الحماية المدنية على الأرض بدعم من الوسائل الجوية والبرية لمحاصرة النيران ومنع انتقالها إلى مناطق مأهولة.
وتأتي هذه التطورات بعد موجة واسعة شهدتها الجزائر خلال يوليو، عندما سجلت البلاد أكثر من 1600 حريق خلال أقل من أسبوعين، وسط وصف مصالح الحماية المدنية لبعض هذه الحرائق بأنها من حرائق “الجيل السادس” بسبب سرعتها وشدتها واتساع نطاقها.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة «رويترز» عن السلطات خلال يوليو، تعاملت الحماية المدنية منذ بداية الشهر مع نحو 1460 حريقًا على مستوى البلاد، بينما وصل عدد الحرائق المسجلة منذ الأول من مايو إلى 3719 حريقًا، مقارنة بـ1501 خلال الفترة نفسها من العام السابق، أي أكثر من الضعف. كما تضرر أكثر من 1666 هكتارًا من الغطاء النباتي، بما يشمل الغابات والأحراش والأشجار المثمرة ومحاصيل جبلية.
لماذا أصبحت الحرائق أكثر خطورة؟
الحرائق نفسها ليست ظاهرة جديدة في الجزائر، لكن ما تغير بصورة لافتة هو البيئة التي تندلع فيها.
فالحرارة المرتفعة تؤدي إلى تجفيف النباتات والأعشاب وتحويلها إلى وقود سريع الاشتعال، بينما تؤدي فترات الجفاف الطويلة إلى خفض رطوبة التربة والغطاء النباتي. وعندما تتزامن الحرارة مع الرياح، يمكن للنيران أن تنتقل بسرعة كبيرة، ما يقلص الوقت المتاح لفرق الإطفاء للتدخل.
وخلال موجة يوليو، وصلت درجات الحرارة في بعض المناطق إلى 48 و49 درجة مئوية، في ظروف مناخية وصفت بأنها استثنائية.
وهنا تظهر خطورة ما يسمى بحرائق الجيل السادس؛ فهي لا تعني ببساطة أن الحريق أكبر حجمًا، وإنما تشير إلى حرائق شديدة السرعة والكثافة، قد تنتج سلوكًا ناريًا معقدًا يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تتوافر كميات كبيرة من الوقود النباتي الجاف.
وتشير دراسة حديثة عن الغابات الجزائرية إلى أن تغير المناخ قد يجعل الظروف التي ساهمت في زيادة شدة حرائق 2021 أكثر تكرارًا مستقبلًا، خصوصًا مع ارتفاع الحرارة وتراجع معدلات الأمطار.
المناخ ليس المتهم الوحيد
رغم ارتباط شدة الحرائق بالطقس والمناخ، فإن اختزال أسبابها في الاحتباس الحراري وحده سيكون تبسيطًا للمشكلة.
تظهر الدراسات الخاصة بالجزائر أن العامل البشري يمثل عنصرًا رئيسيًا في إشعال الحرائق، سواء بصورة متعمدة أو نتيجة الإهمال. وتشمل الأسباب المرتبطة بالنشاط البشري حرق المخلفات الزراعية، وإشعال النيران في المناطق الغابية، والتخلص غير الآمن من النفايات، إضافة إلى حرائق متعمدة مرتبطة بتغير استخدامات الأراضي أو دوافع أخرى.
وهذا يعني أن المعادلة الجزائرية تبدو أقرب إلى:
شرارة بشرية + غطاء نباتي جاف + حرارة شديدة + رياح = حريق يصعب احتواؤه.
وتؤكد دراسات عن أنماط الحرائق في شمال الجزائر أن النشاط البشري يرتبط بزيادة احتمالات اندلاعها، خصوصًا بالقرب من الأراضي الزراعية والمناطق العمرانية والبنية التحتية.
الجزائر بلد واسع.. لكن غاباته محدودة
تكمن مفارقة مهمة في أن الجزائر هي أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة، لكن الغابات لا تغطي سوى جزء محدود من أراضيها.
وتقدر وزارة الداخلية الجزائرية المساحة الغابية بنحو 4.1 مليون هكتار، وهي مساحة محدودة مقارنة بإجمالي مساحة البلاد التي تبلغ نحو 2.382 مليون كيلومتر مربع، فيما يهيمن الصحراء على أكثر من 84% من الأراضي الجزائرية. كما أن نحو 42% من المناطق الغابية عبارة عن أحراش وشجيرات، ما يعكس درجة من تدهور الغطاء الغابي.
وتتركز معظم الغابات في الشمال، حيث تتداخل المناطق الغابية مع المدن والقرى والمناطق الزراعية، وهو ما يجعل أي حريق في تلك المناطق أكثر خطورة على السكان والممتلكات.
وتشير دراسة علمية عن نشاط الحرائق في الجزائر إلى أن المناطق الشمالية هي الأكثر عرضة للحرائق، بينما يقل النشاط جنوبًا بسبب الطبيعة شبه الجافة والقاحلة وقلة الغطاء النباتي القابل للاشتعال.
ذاكرة 2021.. الكارثة التي لم تنتهِ آثارها
يصعب الحديث عن حرائق الجزائر من دون العودة إلى صيف 2021، الذي أصبح نقطة تحول في التعامل مع مخاطر حرائق الغابات.
آنذاك اجتاحت الحرائق مناطق واسعة، خصوصًا في تيزي وزو وبجاية والطارف وخنشلة ومناطق أخرى، وأودت بحياة أكثر من 100 شخص وفق البنك الدولي، فيما تجاوزت الأضرار التي لحقت بالزراعة والمساكن وحدها 124 مليون دولار.
وفي تيزي وزو وحدها، قدرت السلطات مساحة الأراضي التي اجتاحتها النيران في إحدى موجات أغسطس 2021 بنحو 41,489 هكتارًا، مع خسائر كبيرة في الثروة الغابية.
كما أظهرت دراسة منشورة في 2026 حول حرائق خنشلة أن حرائق 2021 أتت على أكثر من 9800 هكتار في منطقتين غابيتين فقط، وأن ذلك العام كان الأكثر حرارة وجفافًا خلال الفترة التي درستها، مع عجز في الأمطار بلغ نحو 35%.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الجزائر سجلت أكثر من 75 ألف حريق غابي بين 1985 و2022، بمتوسط سنوي يقارب 35 ألف هكتار محترق، ما يوضح أن المشكلة ليست مرتبطة بموسم واحد أو سنة استثنائية.
ماذا تفعل السلطات الجزائرية؟
لم تنتظر السلطات موسم 2026 بالكامل للتحرك، إذ أطلقت في يونيو مناورات واسعة لمحاكاة حرائق الغابات، بمشاركة الحماية المدنية والأمن والسلطات المحلية ووسائل جوية وبرية.
وشملت التدريبات اختبار مراكز القيادة والاتصالات والخرائط الرقمية، إضافة إلى استخدام شاحنات الإطفاء والمروحيات والطائرات القاذفة للمياه، بهدف اختبار التنسيق بين الوحدات المختلفة وسرعة الاستجابة.
كما أعلنت السلطات عن توظيف 3000 عون جديد في الحماية المدنية خلال 2026 لتعزيز قدرات التدخل، إلى جانب دعم السلك بالمعدات والوسائل اللازمة.
ومع اندلاع حرائق يوليو، انتقلت الاستجابة من مرحلة الوقاية إلى إدارة الأزمة؛ فجرى إجلاء مرضى من مستشفى في سرايدي بعنابة بعد اقتراب النيران من محيطه، كما أُجلِيَت عائلات من مناطق مهددة وأُنشئت مراكز لإيوائها.
وفي أعقاب الخسائر، وجه الرئيس عبدالمجيد تبون بتعويض المتضررين، فيما بدأت السلطات عمليات حصر الأضرار التي لحقت بالمساكن والثروة الحيوانية والممتلكات، مع تحديد موعد لاستكمال إجراءات التعويض قبل نهاية أغسطس.
من الخسائر البيئية إلى فاتورة اقتصادية
لا تتوقف تكلفة حرائق الغابات عند الخشب والأشجار التي تحترق.
فالحرائق تضرب الزراعة والثروة الحيوانية والمساكن وشبكات الكهرباء والطرق والسياحة والنشاط الاقتصادي المحلي. كما تؤدي إزالة الغطاء النباتي إلى زيادة مخاطر انجراف التربة والسيول والتصحر، وتضر بالتنوع البيولوجي.
وتشير دراسة للبنك الدولي إلى أن الغابات الجزائرية تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا من الحرائق والرعي الجائر والتوسع الزراعي وتغير المناخ، فيما تقدر الدراسة متوسط ما تلتهمه الحرائق سنويًا بنحو 20 ألف هكتار من الأراضي الغابية.
وهنا تصبح عملية التعافي أكثر تعقيدًا؛ فإطفاء الحريق لا يعني انتهاء المشكلة. المناطق التي فقدت غطاءها النباتي تحتاج إلى سنوات حتى تستعيد جزءًا من وظائفها البيئية، وقد لا تعود بعض النظم الغابية إلى حالتها الأصلية إذا تكررت الحرائق قبل اكتمال التعافي.
هل نحن أمام موسم استثنائي أم اتجاه جديد؟
المؤشرات الحالية تجعل من الصعب التعامل مع حرائق 2026 باعتبارها حادثًا منفصلًا.
فعدد الحرائق ارتفع بقوة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وموجات الحرارة أصبحت أكثر قدرة على خلق بيئة مواتية لانتشار النيران، بينما يؤدي تدهور الغطاء النباتي وتغير استخدامات الأراضي والضغط البشري إلى زيادة مصادر الاشتعال.
لكن من المهم أيضًا عدم القفز إلى استنتاج أن كل حرائق 2026 ناجمة عن تغير المناخ أو أنها كلها متعمدة. تحديد سبب كل حريق يحتاج إلى تحقيق ميداني وأدلة مستقلة، بينما يمكن القول بصورة أكثر دقة إن تغير المناخ والحرارة والجفاف يعمل على رفع قابلية البيئة للاشتعال وزيادة شدة الحريق عندما يبدأ.
المعركة الحقيقية تبدأ قبل اشتعال النار
تجربة الجزائر توضح أن مكافحة الحرائق لا يمكن أن تعتمد على سيارات الإطفاء والطائرات وحدها.






