مقالات

أسامة الجنايني يكتب: الأم… صانعة صورة الأب في قلب أبنائها

ليست الأم مجرد من تحمل طفلها وتلدُه، بل هي المدرسة الأولى، والبيئة الأولى، والوجدان الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان، وفي سنوات العمر الأولى، لا يتعلم الطفل بالكلمات بقدر ما يتعلم بالمشاهدة والمعايشة؛ فهو يرى قبل أن يسمع، ويقلد قبل أن يفهم، ويحمل في قلبه ما يراه من مواقف والديه أكثر مما يحفظه من نصائحهم.
ومن هنا، فإن أعظم ما تغرسه الأم في أبنائها ليس الطعام واللباس والتعليم، وإنما الصورة التي ترسمها في نفوسهم عن أبيهم، وعن الأسرة، وعن معاني الاحترام والطاعة والبر.
أسامة الجنايني يكتب: الأم… صانعة صورة الأب في قلب أبنائها
أسامة الجنايني يكتب: الأم… صانعة صورة الأب في قلب أبنائها
وهذا المقال لا يتحدث عن حقوق الزوج على زوجته، ولا عن حقوق الزوجة على زوجها، وإنما يتناول قضية تربوية عميقة، وهي: كيف تؤثر الأم في تشكيل علاقة الأبناء بوالدهم، وكيف يمكن أن تبني هذه العلاقة أو تهدمها، سواء استمرت الحياة الزوجية أو انتهت بالطلاق.
التربية بالقدوة لا بالكلمات
من الحقائق التربوية أن الأبناء يتعلمون من السلوك أكثر مما يتعلمون من التوجيه.
فالأب الذي ينهى ابنه عن التدخين ثم يدخن أمامه، يغرس فيه التدخين أكثر مما يغرس فيه تركه.
وكذلك الأم، فإذا كانت تطلب من أبنائها احترام أبيهم، ثم يرونها تستهين بأوامره، أو تسخر منه، أو تُظهر التمرد عليه أمامهم، فإنها – ولو لم تقل كلمة واحدة – تكون قد غرست في نفوسهم أن مخالفة الأب أمر طبيعي، وأن التمرد عليه سلوك مقبول.
فالأطفال لا ينسخون الكلمات، وإنما ينسخون السلوك.
من بيت نوح… وقفة للتأمل
يقول الله تعالى عن نوح عليه السلام عندما دعا ابنه إلى النجاة:
﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾
ومع ذلك رفض الابن، واختار طريق الهلاك.
والقرآن الكريم لم يذكر أن زوجة نوح هي التي علمت ابنها العصيان، ولم ينسب إليها مسؤوليته عن اختياره، فكل إنسان مسؤول أمام الله عن عمله.
ولكن من باب التأمل التربوي، فإن وجود أم لا تؤمن برسالة زوجها، ولا تخضع لمنهجه، يجعل الطفل يعيش يومياً نموذجاً عملياً للعصيان داخل بيته؛ فيرى أقرب الناس إليه لا تتبع أباه، ولا تؤمن بما جاء به.
وهذا وحده يكفي ليبين أن السلوك الذي يراه الطفل قد يكون أبلغ أثراً من آلاف الكلمات.
فالطفل قد لا يسمع من أمه دعوة صريحة إلى مخالفة أبيه، لكنه إذا رأى العصيان سلوكاً متكرراً، فقد يتشرب هذا المعنى دون أن يشعر.
ولهذا فإن مجرد إظهار التمرد على الأب أمام الأبناء قد يغرس في نفوسهم عقيدة التمرد عليه، حتى دون توجيه مباشر.
وعلى الجانب الآخر… هاجر تصنع جيلاً
وعندما ننظر إلى بيت إبراهيم عليه السلام، نجد صورة مختلفة تماماً.
فظاهر الأحداث قد يراه الإنسان لأول وهلة شديداً.
ترك إبراهيم زوجته هاجر ورضيعها إسماعيل في وادٍ غير ذي زرع، ثم غاب سنوات طويلة، ثم عاد ليأمر ابنه بالمشاركة في بناء البيت، ثم رأى في المنام أنه يذبحه.
ولو نظر الإنسان إلى هذه المواقف مجردة عن حقيقتها، لظن أنها قسوة.
لكن الذي صنع الفارق لم يكن ظاهر الأحداث، وإنما طريقة فهم إسماعيل لهذه الأحداث.
وهنا يظهر أثر هاجر.
فعندما تركها إبراهيم في الوادي سألت سؤالها العظيم:
«آلله أمرك بهذا؟»
فلما قال: نعم.
قالت في يقين المؤمن:
«إذن لا يضيعنا الله.»
بهذه الكلمة لم تطعن في أبيه، ولم تزرع في قلب ولدها شعوراً بالظلم أو الكراهية، ولم تفسر له تصرف أبيه تفسيراً بشرياً قائماً على الهوى، وإنما ربطت قلبه بالله، وربطت صورة أبيه بالطاعة لله.
فنشأ إسماعيل وهو يعلم أن أباه لا يتحرك بهواه، وإنما بطاعة ربه.
ولذلك، عندما قال له أبوه:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
لم يعترض، ولم يغضب، ولم يتهم أباه بالقسوة، وإنما قال:
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
وهذا اليقين لم يولد في تلك اللحظة، وإنما كان ثمرة سنوات من التربية التي غرستها أم صالحة أحسنت بناء قلب ولدها.
الأم تصنع تفسير الأبناء للأحداث
قد يرى الطفل الموقف نفسه، ولكن تفسيره له يختلف باختلاف من يربيه.
فالأم الواعية لا تزين الخطأ، ولا تكذب على أبنائها، لكنها لا تحولهم إلى خصوم لأبيهم.
ولا تجعل الخلافات الزوجية تهدم ثوابت التربية.
فالفرق كبير بين أن تشرح الواقع بحكمة، وبين أن تزرع الكراهية في القلوب.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يورثه الآباء والأمهات لأبنائهم ليس الفقر، وإنما كراهية أحد الوالدين.
الاحترام ثابت… والطاعة لها حدود
لقد وضع الإسلام ميزاناً بالغ الدقة.
فالطاعة لا تكون في معصية الله.
أما البر والإحسان والاحترام، فهي حقوق ثابتة لا تسقط حتى مع وجود الخطأ.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
فإذا كان القرآن يأمر بالإحسان والصحبة بالمعروف حتى مع الوالدين إذا دعوا ولدهما إلى الشرك، فإن ذلك يدل على أن الاحترام والبر من الثوابت التي لا يجوز هدمها.
ولهذا فإن من أخطر الأخطاء التربوية أن يُربى الطفل على احتقار أبيه أو أمه، أو على التطاول عليهما، أو على كسر هيبتهما في قلبه.
فالخلاف بين الكبار شيء، وحقوق الوالدين شيء آخر.
رسالة إلى كل أم
يا أم…
قد يكون بينك وبين والد أبنائك خلاف كبير.
وقد يكون قد ظلمك.
وقد تكون الحياة بينكما انتهت.
لكن أبناءك ليسوا ساحة لهذا الخلاف.
لا تجعلي غضبك يتحول إلى عقيدة يعيشون بها.
ولا تسمحي أن يروا منك استهانة بأبيهم، لأن ما يرونه اليوم سيصبح غداً جزءاً من شخصيتهم.
ازرعي في قلوبهم احترام أبيهم، كما يجب أن يزرع الأب في قلوبهم احترام أمهم.
علميهم أن الخطأ يُرفض، ولكن الحقوق لا تُهدم.
وعلميهم أن الطاعة في المعصية لا تجوز، أما البر والإحسان والاحترام فهي ثوابت لا تتغير.
فقد تنتهي الزوجية، لكن الأبوة لا تنتهي، وقد يقع الطلاق، لكن حق الوالد في الاحترام لا يسقط، كما لا يسقط حق الأم.
خاتمة
إن بناء المجتمع لا يبدأ من المدرسة، ولا من القانون، بل يبدأ من حضن أم واعية.
الأم تستطيع أن تصنع جيلاً يوقر والديه، ويحسن إليهما، ويحفظ مكانتهما، حتى وإن رأى منهما ما لا يرضيه.
وتستطيع – من حيث لا تشعر – أن تهدم هذه المعاني إذا جعلت أبناءها يحملون خصومات الكبار.
فصلاح الأسرة لا يقاس فقط ببقاء الزواج، وإنما يقاس بما يبقى في قلوب الأبناء بعد كل ما يمر بالأسرة من ابتلاءات.
وإذا كانت المرأة الصالحة تغرس في أبنائها احترام والدهم، وتفسر لهم مواقفه بحكمة وعدل، فإنها لا تبني بيتاً فحسب، بل تبني إنساناً، وتحفظ مجتمعاً، وتصنع مستقبلاً.
زر الذهاب إلى الأعلى