أخبار

“اختطاف الإسلام”.. الأزهر يحذر من علمنة الدين تحت شعارات الحداثة

✍️كتب:محمد فلاح
حذر الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، من مخاطر ما وصفها بمحاولات “اختطاف الإسلام” عبر ما أسماه “الاختطاف الناعم”، الذي يتسلل إلى العقول تحت عناوين براقة مثل القراءة المعاصرة والتجديد والتنوير، في محاولة ممنهجة لعلمنة الدين من الداخل وتجريده من مرجعيته.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة التي ألقاها الهواري اليوم من منبر الجامع الأزهر الشريف، حيث حذر من التحديات الفكرية التي تواجه الأمة الإسلامية في العصر الراهن، والتي تهدف إلى تحريف مقاصد الشريعة وخلط الحلال بالحرام وتمييع الثوابت الدينية.
الاختطاف الناعم.. خطر يهدد الثوابت من الداخل
أوضح خطيب الجامع الأزهر أن الإسلام تعرض عبر تاريخه الطويل لمحاولات اختطاف متعددة، بعضها جاء عبر الغلو والتشدد، وبعضها الآخر عبر التفريط والتقصير. لكنه أكد أن المرحلة الراهنة تشهد نمطاً جديداً وخطيراً يتمثل في “الاختطاف الناعم”، الذي يتسلل عبر شعارات جذابة وعناوين براقة مثل “القراءة المعاصرة للدين” و”النظرة الإنسانية الرحيمة” و”عولمة الوحي”.
وكشف الهواري أن هذه المداخل الفكرية لا تهدف في حقيقتها إلى تجديد الخطاب الديني كما تدعي، بل تسعى إلى علمنة الإسلام من داخله، وحصره في دائرة الإطار الروحي فقط، وتنحيته عن توجيه مجالات الحياة المختلفة مثل التربية والسياسة والاقتصاد والمجتمع. وأكد أن هذه المحاولات تفضي في النهاية إلى فصل الدين عن الواقع وإقصائه عن صناعة الوعي المجتمعي.
مرجعية ثابتة وإسلام صالح لكل زمان
وبين الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية أن مواجهة هذا التحدي الفكري الخطير تستند إلى ثلاثة أسس رئيسة لا يمكن تجاوزها. الأساس الأول يتمثل في أن الله تعالى أكمل هذا الدين وأتم نعمته به، فجعل مرجعيته ثابتة محفوظة لا تقبل التحريف أو الانتقاص مهما تغيرت الأزمان وتطورت المفاهيم.
أما الأساس الثاني فيكمن في أن الإسلام ليس فقط صالحاً لكل زمان ومكان، بل هو مصلح لكل زمان ومكان أيضاً. فهو دين قادر بنصوصه ومقاصده على استيعاب المستجدات وتوجيه الإنسان في كل عصر، دون أن يفقد ثوابته أو يتخلى عن أصوله الراسخة.
وفيما يتعلق بالأساس الثالث، شدد الهواري على أن الإسلام لا يعرف قطيعة بين الوحي والعقل، ولا يقر بوجود خصومة بين الدين والعلم. وأكد أن نقل التجربة الحداثية الأوروبية التي نشأت في سياق تاريخي خاص يقوم على إقصاء الدين عن الحياة، إلى واقعنا الإسلامي، يعد خطأ منهجياً كبيراً يغفل اختلاف السياقات الحضارية والتاريخية بين الأمم.
العقل والوحي.. تكامل لا تناقض
أكد خطيب الجامع الأزهر أن الإسلام يدعو إلى التدبر والتفكر وإعمال العقل، غير أن القراءة الصحيحة للنصوص الشرعية تتطلب امتلاك الأدوات العلمية والتخصصية، كما هو الشأن في سائر العلوم الإنسانية والعلمية. وأوضح أن فتح باب الفهم بغير ضوابط علمية راسخة يفضي إلى طروحات شاذة تبيح المحرمات وتخرج عن إجماع الأمة.
وحذر الهواري بشدة من القول بـ”تاريخانية الوحي”، وهي النظرية التي تزعم أن النصوص الشرعية كانت صالحة لزمان نزولها فقط، ولا تصلح لعصرنا الحالي. وأكد أن هذه المقولة تتنافى مع حقيقة الإسلام باعتباره ديناً شاملاً خالداً، يمتلك من المرونة المنضبطة ما يجعله قادراً على مواكبة العصر دون الذوبان فيه أو التفريط في ثوابته.
الرحمة في الإسلام.. بين المفهوم الصحيح والتوظيف المغلوط
أضاف الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية أن الرحمة أصل راسخ في الإسلام، وأن الشريعة جاءت أساساً لتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم. لكنه حذر من توظيف شعار “الإنسانية الرحيمة” بشكل مغلوط يهدف إلى تجريد الدين من شموليته وحصره في دائرة الوجدان الفردي فقط.
وأوضح أن هذه المحاولات تمثل مسعى لإحداث قطيعة بين الدين والحياة، رغم أن القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد جميعها أن الإسلام أقام نموذجاً حضارياً متكاملاً يجمع بين العبادة والعمران، وبين الإيمان وبناء المجتمع المتوازن.
المرجعية العليا للوحي.. خط أحمر
أشار الهواري إلى خطورة إخضاع النصوص الشرعية لمعايير القبول العالمي والثقافات السائدة، مؤكداً أن إعادة تأويل الأحكام لتنسجم مع الضغوط الفكرية المعاصرة هو مسار خطير يؤدي إلى تمييع المرجعية الدينية. وشدد على أن الإسلام معيار في ذاته تقاس به حركة الحياة، وليس تابعاً لمعايير البشر المتغيرة.
وأكد أن التقدم العلمي والتحضر لا يتعارضان مع الإسلام، بل إن الأخذ بأسباب الحضارة والابتكار والإبداع يمثل جزءاً لا يتجزأ من عمارة الأرض التي دعا إليها هذا الدين الحنيف.
رسالة الأزهر.. ثبات في الأصول وتجديد في الوسائل
واختتم الدكتور محمود الهواري خطبته بالتأكيد على أن الواجب الشرعي في هذه المرحلة الدقيقة يحتم على الأمة ترسيخ المرجعية العليا للوحي، وتعزيز الثقة بالهوية الإسلامية، وتربية الأجيال الناشئة على أن كتاب الله وسنة رسوله هما الميزان الحاكم للأفكار والتصورات.
ودعا إلى ضرورة الجمع بين الثبات في الأصول والقطعيات، والتجديد المنضبط في الوسائل والأدوات وفق قواعد أصول الفقه ومقاصد الشريعة. كما شدد على أهمية اعتماد الحوار العلمي الرصين الذي يرد الحجة بالحجة ويبين الحق بالدليل، بعيداً عن الشتم أو التخوين أو التجريح.
واختتم خطيب الجامع الأزهر رسالته بكلمة جامعة: “على الأمة أن تكون أمينة على دينها، فلا تسمح باختطافه باسم التشدد والغلو، ولا تسمح بتفريغه من مضمونه باسم الحداثة والتجديد”.
زر الذهاب إلى الأعلى