أسامة الجنايني يكتب: بين قرار الانفصال ورسالة إلى أمٍّ اختارت طريقًا آخر
فبراير 20, 2026
أسامة الجنايني
ليس في الحياة الزوجية قرارٌ أشدُّ وقعًا من قرار الانفصال بعد سنواتٍ من العِشرة، حين تتشابك الذكريات وتكبر في ظلالها وجوهُ الأطفال. وفجأةً يجد أحدُ الطرفين نفسه أمام قرارٍ لم يختره، بينما يراه الآخر خلاصًا لا رجعة فيه. وهنا تبدأ معركةٌ لا يكون ألمها في الفراق وحده، بل في الطريقة التي يُدار بها، وفي الثمن الذي يدفعه الأبناء صامتين.
لقد أباح الله الانفصال عند استحالة العشرة، لكنه لم يُبح الظلم، ولم يجعل الطلاق ساحةً للانتقام أو لتصفية الحسابات. فالذي يختار الرحيل يملك حقَّ الاختيار، لكنه لا يملك حقَّ تشويه الآخر، ولا حقَّ تحويل الأبناء إلى شهود زورٍ على قصةٍ لا يفهمونها.
حقٌّ في القرار… وواجبٌ في الأخلاق
الانفصال قد يكون أحيانًا ضرورة، لكنه يظلُّ نهايةَ علاقةٍ زوجية، لا نهايةَ المسؤولية. فالأم تبقى أمًّا، والأب يبقى أبًا، والطفل لا تعنيه تفاصيل الخلاف بقدر ما يعنيه أن يبقى في قلبَيْ والديه مكانٌ للأمان.
إن أخطر ما يحدث بعد الطلاق أن تتحول المشاعر المجروحة إلى حربٍ نفسية، يُستخدم فيها الأبناء وسيلةً للضغط أو للانتقام. حينها لا ينتصر أحد، بل يخسر الجميع، ويكون الطفل هو الضحية الأولى.
رسالة إلى الأم التي اختارت الطلاق
يا من اخترتِ لنفسكِ حياةً أخرى، اعلمي أن اختياركِ لا يُسقط عنكِ عهد الأمومة، ولا يبرِّر أن تُحمِّلي أبناءكِ أوجاعكِ. لا تجعلي من حديثكِ عن أبيهم سلاحًا، ولا تُصوِّري نفسكِ ضحيةً على حساب نفوسٍ بريئة. فالطفل الذي يُلقَّن الكراهية يكبر وهو يحمل جرحًا في قلبه، وقد يحمِّلكِ يومًا وزر ذلك دون أن تشعري.
إن كنتِ قد بدأتِ صفحةً جديدة، فابدئيها بكرامةٍ ورحمة، واتركي الماضي في مكانه، ودعي لكلِّ إنسانٍ طريقه. علِّمي أبناءكِ أن الاحترام لا ينتهي بانتهاء الزواج، وأن القلوب الكبيرة هي التي تفترق دون أن تتشوه.
الأطفال… الأمانة التي لا تسقط
الأبناء ليسوا طرفًا في النزاع، ولا وسيلةً لإثبات الخطأ أو الصواب. هم أمانةٌ يسأل الله عنها كلا الوالدين. ومن حقهم أن يحبوا أمهم وأباهم معًا، دون خوفٍ من غضب أحدهما، ودون شعورٍ بالذنب لأنهم يميلون إلى الآخر.
ما بعد الفراق
الطلاق نهايةُ بيتٍ، لكنه ليس نهايةَ الأخلاق. والذي اختار طريقًا جديدًا عليه أن يمضي فيه بسلام، لا أن يلتفت خلفه ليهدم ما تبقى. فالخصومة ينبغي أن تنتهي بانتهاء العلاقة، ويبقى التعاون من أجل الأبناء، ويبقى الاحترام حفظًا للسنوات التي مضت.
خاتمة
إن الأسرة ليست عقدًا يُفسخ فحسب، بل تاريخٌ وقلوبٌ صغيرةٌ تحتاج إلى الرحمة. ومن اتقى الله في أبنائه حفظهم الله له، ومن جعلهم وقودًا لصراعه خسر نفسه قبل أن يخسر غيره.
فالطلاق قرارٌ بشري، لكن الرحمة خُلُقٌ إلهي، والأمومة عهدٌ لا يسقط، والأبناء أمانةٌ لا يجوز أن تُكسَر بين يدي الخصومة.