مقالات

أسامة الجنايني یکتب: الأبناء بين البرّ والعقوق إذا انفصل الأبوين

تظلّ الأسرة المنبع الأول للقيم، والبيئة التي تتشكل فيها شخصية الأبناء ومشاعرهم. وعندما يقع الانفصال بين الأبوين، يتعرض الأبناء لاضطراب نفسي قد يدفعهم إلى الحيرة بين مشاعر متناقضة وولاءات متعددة، وهنا يظهر الامتحان الحقيقي للأخلاق والإيمان: هل يبقى الأبناء أوفياء لحقّ الوالدين، أم تتحول الخلافات إلى بابٍ من أبواب العقوق؟
إنّ برّ الوالدين عبادة عظيمة لا تسقط بالظروف، ولا تتأثر بتغيّر العلاقات بين الكبار.
برّ الوالدين عبادة عظيمة في الإسلام
جعل الله تعالى برّ الوالدين من أعظم الواجبات، وقرنه بتوحيده سبحانه، فقال في القرآن الكريم:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)
وقال تعالى:
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان: 14)
وهذا يدل على أن حق الوالدين ثابت لا يتغير، فالطلاق ينهي العلاقة الزوجية لكنه لا ينهي الأبوة ولا الأمومة.
الأبناء بعد انفصال الأبوين: اختبار الوعي والنضج
بعد الانفصال قد يسمع الأبناء روايات مختلفة من كلا الطرفين، وقد يتعرضون لضغوط نفسية تدفعهم إلى الانحياز. لكن البرّ الحقيقي لا يقوم على الانحياز، بل على العدل والإحسان.
ومن أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الأبناء:
قطع العلاقة مع أحد الوالدين إرضاءً للآخر.
نقل الكلام بين الطرفين مما يزيد النزاع.
تكوين صورة سلبية مطلقة عن أحد الوالدين.
إنّ الأبناء الواعين يفصلون بين الخلاف الزوجي وحقوق الوالدين.
درجات العقوق وخطورته
العقوق لا يقع دفعة واحدة، بل يتدرج حتى يبلغ أشدّه، ومن درجاته:
1. العقوق القلبي: كالتضجر الداخلي وكره الجلوس مع الوالدين.
2. العقوق اللفظي: كرفع الصوت أو استعمال الكلمات الجارحة.
3. العقوق العملي: مثل الإهمال وترك السؤال والزيارة مع القدرة.
4. العقوق الشديد: كالقطيعة التامة أو الإهانة، وهو من أكبر الكبائر.
وقد نهى الله تعالى حتى عن أقل مظاهر التضجر فقال:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (الإسراء: 23)
التحذير النبوي من عقوق الوالدين
جاءت السنة النبوية بأسلوب مؤثر يوقظ القلوب. قال النبي ﷺ:
«رِضا الربِّ في رضا الوالد، وسخط الربِّ في سخط الوالد» رواه سنن الترمذي.
وقال ﷺ:
«رَغِمَ أنفُه، ثم رَغِمَ أنفُه، ثم رَغِمَ أنفُه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة» رواه صحيح مسلم.
كما عدّ النبي ﷺ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر كما في صحيح البخاري.
آثار العقوق في الدنيا قبل الآخرة
لا يقتصر أثر العقوق على الإثم الأخروي، بل تظهر نتائجه في حياة الإنسان، ومن ذلك:
فقدان البركة في العمر والرزق.
اضطراب العلاقات الأسرية.
قسوة القلب وفقدان السكينة.
تكرار التجربة مع الأبناء مستقبلًا.
فالجزاء من جنس العمل، ومن زرع البرّ حصد الرحمة.
كيف يحافظ الأبناء على البر بعد الطلاق؟
يمكن تحقيق التوازن الأخلاقي عبر خطوات عملية:
التواصل المنتظم مع الأب والأم دون انقطاع.
احترام الطرفين وتجنب الدخول في الخلافات.
الإحسان بالكلمة الطيبة والزيارة والمساعدة.
الدعاء لهما بالهداية والصلاح.
فالبرّ موقف ثابت لا تحكمه الظروف.
خاتمة
إنّ انفصال الأبوين امتحان صعب، لكنه يكشف معدن الأبناء الحقيقي. فمن جعل البرّ طريقه، بارك الله له في عمره وأبنائه، ومن فتح باب العقوق خسر راحة الدنيا قبل حساب الآخرة.
تذكّر دائمًا: قد ينتهي الخلاف بين الزوجين، لكن باب برّ الوالدين يبقى مفتوحًا ما داما على قيد الحياة، فلا تغلقه باندفاعٍ مؤقت، ولا تؤجّل الإحسان حتى يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.
اسامه الجنايني ، مقالات اسامه الجنايني، عقوق الأبناء ، حضانه ، قانون الاسره، اخبار مصر، اخبار عاجله ، الهدهد، موقع الهدهد
زر الذهاب إلى الأعلى