د. محمد محسن أبو النور يكتب: الموقف الراهن بين أمريكا وإيران
فبراير 28, 2026
د. محمد محسن أبو النور
1- تشير المعطيات المتراكمة خلال الأيام الأخيرة إلى أن المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن وصل إلى مرحلة انسداد شبه كامل، بعد فشل الجولة الأخيرة من المحادثات في مدينة جنيف في إنتاج أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لإحياء اتفاق نووي جديد. 2- وقد بدت هذه الجولة، في نظر صانعي القرار الأمريكي، بمثابة الفرصة الأخيرة التي مُنحت لإيران للقبول بحزمة مطالب وُصفت في الخطاب الأمريكي بأنها شاملة وغير قابلة للتجزئة. 3- إن إخفاق هذه الجولة حتى الآن لم يُفهم بوصفه تعثرًا تقنيًا في مسار تفاوضي طويل، بقدر اعتباره مؤشرًا على انتقال الأزمة من مربع الدبلوماسية المشروطة إلى مربع الضغط الأقصى المعزز بخيارات عسكرية فعلية، ومن ثم، أخذت البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط تميل تدريجيًا نحو سيناريو تصعيد قد يتطور إلى مواجهة أمريكية–إيرانية مباشرة، مع احتمال انخراط إسرائيلي فاعل عبر ضربات تستهدف العمق الإيراني. 4- تمسكت طهران بحصر التفاوض في البرنامج النووي، رافضة إدراج برنامجها الصاروخي الباليستي أو شبكة تحالفاتها الإقليمية ضمن جدول الأعمال، معتبرة أن هذه الملفات تدخل في نطاق سيادتها وأمنها القومي. كما رفضت المطلب الأمريكي المتعلق بتفكيك البرنامج النووي بالكامل أو نقل مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الخارج. 5- في المقابل، ترى واشنطن أن أي اتفاق لا يتناول عناصر القوة الإيرانية الشاملة – النووية والصاروخية والإقليمية – سيكون اتفاقًا ناقصًا يعيد إنتاج معضلة الاتفاق السابق بصيغة معدلة، وهنا تتجلى الفجوة الاستراتيجية لا التقنية، بما يجعل فرص التسوية محدودة للغاية. 6- في سياق كهذا تتعامل الإدارة الأمريكية مع الموقف الإيراني باعتباره سياسة إطالة أمد التفاوض لكسب الوقت، سواء لتعزيز المخزون النووي أو لتحسين موقعها التفاوضي. ويتزامن ذلك مع تصعيد عسكري أمريكي في الإقليم، بما يعكس انتقال واشنطن من الضغط الدبلوماسي إلى الردع القسري المدعوم بإشارات عملياتية. 7- يمثل وصول حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد إلى شرقي المتوسط قبالة سواحل إسرائيل بعد تمركز سابق قرب جزيرة كريت، مؤشرًا ذا دلالة عالية؛ فهذه الحاملة تُعد من أكثر القطع البحرية تقدمًا في البحرية الأمريكية، ووجودها في هذا التوقيت يهدف إلى توفير مظلة هجومية ودفاعية في آن واحد. 8- كما أن تنفيذ المدمرة يو إس إس فرانك بيترسن تدريبات بالذخيرة الحية في بحر العرب يعكس مستوى متقدمًا من الجاهزية العملياتية، ويؤكد أن التحركات لا تندرج ضمن استعراض رمزي للقوة بل ضمن استعداد فعلي لاحتمال الاشتباك. 9- إضافة إلى ذلك، فإن تعزيز الوجود الجوي عبر نشر مقاتلات F-22 وF-35 في قواعد الخليج، وقاعدة موفق السلطي في الأردن، مع تحريك طائرات التزود بالوقود، يشير إلى إعداد مسرح عمليات متكامل يسمح بتوجيه ضربات بعيدة المدى مع ضمان الاستمرارية الجوية. 10- تفيد تقارير إعلامية إسرائيلية بأن الجيش رفع مستوى الجاهزية إلى الحد الأقصى، وجرى فتح الملاجئ والسماح باستخدام أنفاق المترو كملاجئ طوارئ، ومن المؤكد أن هذه الإجراءات لا تعكس توقع ضربة إسرائيلية فقط، لكنها تعكس استعدادًا لرد إيراني محتمل عبر الصواريخ أو عبر حلفائها الإقليميين، ما يعني أن تل أبيب تضع في حساباتها سيناريو حرب متعددة الجبهات. 11- المهم في هذه الديلمة هو دعوة الخارجية الأمريكية رعاياها إلى مغادرة إيران، إلى جانب تحذيرات مماثلة من دول أوروبية وآسيوية، وسحب بعض البعثات الدبلوماسية لموظفيها، وهو ما يمثل عادةً مرحلة متقدمة في إدارة الأزمات، حيث تُتخذ هذه الإجراءات عندما يُقدَّر أن احتمال التصعيد لم يعد نظريًا. 12- يشكل التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عنصرًا محوريًا في المشهد؛ إذ أشار إلى ارتفاع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك كميات مخصبة بنسبة 60%، فضلًا عن قيود على وصول المفتشين لبعض المواقع، ولعل مثل هذا التقرير يوفر غطاءً سياسيًا وقانونيًا يمكن أن تستند إليه الإدارة الأمريكية في تبرير أي تحرك عسكري باعتباره إجراءً وقائيًا لمنع اقتراب إيران من عتبة القدرة النووية العسكرية، تماما مثل الذي حدث عشية الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو 2025م. 13- ترفع المؤشرات الميدانية والسياسية مجتمعة من احتمال تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية–إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت نووية أو مواقع عسكرية حساسة، بهدف إعادة البرنامج الإيراني سنوات إلى الوراء دون الانزلاق إلى حرب شاملة. 14- ومن المرجح في حال وقوع الضربة أن تكون عملية مركزة عالية الدقة، تعتمد على التفوق الجوي والصاروخي، مع الحرص على تقليل الخسائر المدنية لتجنب تعبئة إيرانية داخلية شاملة. 15- بالرغم من أن الحسابات الأمريكية–الإسرائيلية قد تميل إلى ضربة محسوبة، فإن طبيعة العقيدة الإيرانية القائمة على الرد غير المتكافئ تفتح الباب أمام ردود عبر أذرع إقليمية أو عبر استهداف مصالح أمريكية في الخليج، ما قد يوسع نطاق الاشتباك. 16- والأرجح وفق هذا المشهد المعقد هو وقوف المنطقة عند حافة ردع قسري متبادل؛ أي استخدام التصعيد العسكري المكثف كأداة ضغط لإجبار الطرف الآخر على إعادة التموضع التفاوضي، مع بقاء خيار الضربة قائمًا كاحتمال واقعي وليس مجرد تهديد نظري. 17- عليه يمكن القول إن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق حرج، وهو أمام خيارين إما العودة إلى طاولة تفاوض بشروط معدلة تحت ضغط عسكري غير مسبوق، أو الدخول في مواجهة محدودة قد تعيد رسم معادلات الردع في الإقليم. 18- وفي كل الأحوال، فإن أي اشتباك مباشر بين واشنطن وطهران لن يكون حدثًا تكتيكيًا عابرًا، بل محطة استراتيجية قد تعيد تشكيل توازنات القوة في المنطقة لسنوات قادمة. 19- يقول ترامب إن إيران تريد زيادة ثروتها قليلا لكنها ليست بحاجة إلى كل هذه الكمية من النفط، وإن إيران لا تريد الذهاب بعيدا بما فيه الكفاية وهذا أمر مؤسف جدا، وإنه يرفض تخصيب اليورانيوم في إيران ولو بنسبة 20 بالمائة، وإن يران لا تريد الذهاب بعيدا بما فيه الكفاية وهذا أمر مؤسف جدا، ومع ذلك فقد أرسل إشارات متضاربة حول أنه ما يزال يريد حل المعضلة الإيرانية بالطرق السلمية. 20- وبعد كل ذلك ما أزال أعتقد أن هناك فرصة لإعلاء صوت الدبلوماسية على صوت السلاح، بشرط أن يبدي متخذو القرار في إيران قدرة عالية على فهم التعقيدات الراهنة في بنية النظام الدولي الذي ما يزال أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.