مقالات

كرم بدرة يكتب: الشرق الأوسط على حافة قرار

هل نحن أمام ضربة محدودة… أم بداية مرحلة تاريخية جديدة؟

في السياسة لا توجد قرارات مفاجئة، بل توجد لحظات يبدو فيها القرار فجائيًا، بينما يكون قد جرى إعداده عبر سنوات طويلة من التراكم البطيء.
و الشرق الأوسط الآن يقف أمام واحدة من تلك اللحظات الفارقة.
الحديث عن ضربة أمريكية محتملة لإيران ليس ملفًا عسكريًا عابرًا، بل فصل جديد في قصة بدأت قبل أكثر من سبعين عامًا.
أولًا: الشرق الأوسط… ليس خريطة بل عقدة تاريخية
الخطأ الشائع أن يُنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد منطقة جغرافية.
والحقيقة أنه نظام توازن قوى عمره آلاف السنين.
هذه المنطقة كانت دومًا ساحة اشتباك بين أربع دوائر رئيسية:
القوة البحرية العالمية (بريطانيا ثم الولايات المتحدة)
القوة القارية (روسيا والاتحاد السوفيتي سابقًا)
الدائرة الحضارية – الدينية (العالم الإسلامي)
المشروع الإسرائيلي
ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، أصبح النفط هو القلب الذي يضخ الدم في هذه المعادلة المعقدة.
الولايات المتحدة لم تدخل المنطقة بدافع العاطفة أو القيم، بل لأن أوروبا الصناعية لا تستطيع الحياة دون نفط الخليج.
ثانيًا: كيف دخلت إيران المعادلة؟
قبل عام 1979، لم تكن إيران خصمًا لواشنطن، بل كانت أحد أهم حلفائها في المنطقة.
كان الشاه محمد رضا بهلوي يؤدي ثلاثة أدوار محورية:
شرطي الخليج
حارس مضيق هرمز
السد في مواجهة السوفييت
بل إن إيران آنذاك كانت تمارس دورًا إقليميًا واسعًا يشبه – في بعض أبعاده – الدور الإسرائيلي اليوم، ولكن بنطاق جغرافي أكبر.
ثم جاء الحدث المفصلي:
الثورة الإيرانية عام 1979.
لم تكن مجرد تغيير نظام حكم، بل إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن الشرق الأوسط يمكن أن يخرج من العباءة الأمريكية.
اقتحام السفارة الأمريكية في طهران لم يكن حادثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل لحظة انهيار لنظام إقليمي كانت واشنطن تديره منذ عقود.
ومن هنا بدأ الصراع الأمريكي – الإيراني بصورته الحديثة.
ثالثًا: استراتيجية الاحتواء الأمريكية
الولايات المتحدة لم تختر المواجهة المباشرة، بل اعتمدت ما يمكن تسميته بسياسة “الضغط متعدد المسارات”:
دعم العراق في حرب الثمانينيات (1980–1988)
فرض عقوبات اقتصادية ممتدة
تطويق إيران بقواعد عسكرية في الخليج وأفغانستان والعراق
تنفيذ عمليات نوعية، من استهداف علماء نوويين إلى اغتيال قاسم سليماني
لكن طهران لم تكن طرفًا سلبيًا في هذا الصراع.
رابعًا: الاستراتيجية الإيرانية… من دولة إلى شبكة
فهمت إيران درسًا أساسيًا:
لا يمكن هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا، لكن يمكن استنزافها استراتيجيًا.
لذلك بنت ما يُعرف بـ “قوس النفوذ”، الممتد عبر: (العراق -سوريا -لبنان -اليمن -غزة بدرجات متفاوتة)
بهذا التحول، لم تعد إيران مجرد دولة قومية، بل شبكة نفوذ عابرة للحدود.
وهنا تكمن خطورة أي ضربة أمريكية محتملة.
خامسًا: لماذا يعود اسم ترامب إلى الواجهة؟
دونالد ترامب ليس سياسيًا تقليديًا بقدر ما هو رجل صفقات.
لكنه – إن عاد إلى المشهد التنفيذي – سيجد نفسه رئيسًا داخل مؤسسة، لا تاجرًا خارج السوق.
داخل واشنطن ما يُعرف بمؤسسة “الصقور”، وهي تيار يرى أن بقاء الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط مستحيل في ظل إيران قوية إقليميًا.
وفي المقابل، يقف بنيامين نتنياهو عند زاوية مختلفة؛ إذ ترى إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني هو أخطر تهديد وجودي تواجهه منذ حرب 1973.
هكذا تتقاطع الضغوط:
المؤسسة العسكرية، إسرائيل، وصورة الرئيس القوي.
ومن هنا تظهر فكرة “الضربة المحدودة”.
سادسًا: إشكالية كلمة “محدودة”
في التاريخ العسكري قاعدة ثابتة:
لا توجد ضربة محدودة حين يكون الخصم مشروعًا أيديولوجيًا.
إيران ليست مجرد حكومة، بل منظومة فكرية تعتبر نفسها في مواجهة تاريخية مع واشنطن.
وأي استهداف مباشر قد يدفعها إلى رد محسوب، لكن متعدد الساحات:
مضيق هرمز
القواعد الأمريكية في الخليج
الحوثيون في البحر الأحمر
حزب الله في لبنان
الفصائل في العراق وسوريا
أي اشتباك في إحدى هذه الجبهات قد يُدخل المنطقة في دوامة تصعيد متدرج، تتحول فيه الضربة التكتيكية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
سابعًا: ماذا قد يحدث حتى نهاية مارس؟
قراءة تحركات الجيوش أصدق من قراءة التصريحات السياسية.
المؤشرات المتوقعة قد تشمل:
رفع الجاهزية البحرية الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر
تعزيز التأهب الإسرائيلي على الجبهة الشمالية
هجمات سيبرانية تمهيدية
استهداف موقع حساس مرتبط بالبرنامج النووي أو بالحرس الثوري
لكن السيناريو الأرجح ليس حربًا شاملة، بل معادلة دقيقة:
ضربة محسوبة… يقابلها رد محسوب.
هذا ما يُعرف في الاستراتيجية بـ “حرب تثبيت قواعد الاشتباك”:
قتال محدود لضبط السقف، لا لتجاوزه.
الخلاصة: نهاية مرحلة… لا نهاية العالم
الشرق الأوسط لا يتجه إلى انفجار كوني، بل إلى نهاية مرحلة بدأت عقب سقوط الاتحاد السوفيتي.
أي ضربة – إن حدثت – لن تكون بهدف إسقاط النظام الإيراني،
بل لإعادة رسم حدود القوة والنفوذ.
الولايات المتحدة تريد إيران قوية داخليًا، ضعيفة إقليميًا في الشرق الأوسط .
وإيران تريد البقاء والاعتراف بها قوة إقليمية كبرى.
أما المنطقة، فمقبلة على عصر مختلف:
ليس حربًا عالمية ثالثة،
بل حقبة الحروب القصيرة المتكررة.
والمفارقة أن كل طرف سيعلن النصر بعد كل جولة،
بينما الحقيقة أن أحدًا لن ينتصر فعليًا،
وأن الخريطة وحدها هي التي ستتغير.
زر الذهاب إلى الأعلى