أسامة الجنايني يكتب: رمضان … نفحةُ السماء وموسمُ الصفاء
فبراير 26, 2026
أسامة الجنايني
يأتي شهرُ رمضان كلَّ عامٍ كضيفٍ كريمٍ يحملُ بين طيّاته نفحاتِ الرحمة، ويُقبِلُ على القلوب كما يُقبِلُ الغيثُ على الأرضِ الجدباء، فيُحيي فيها ما ذبلَ من معاني الإيمان، ويوقظُ ما فترَ من عزائم الطاعة. هو شهرٌ ليس كسائر الشهور، بل هو ميدانُ التزكية، ومدرسةُ الصبر، وموسمُ العتقِ من النيران.
في رمضان تتبدّلُ موازينُ الحياة؛ فيغدو الليلُ محرابًا، والنهارُ صيامًا، والقرآنُ أنيسًا، والدعاءُ سلاحًا، والصدقةُ زادًا. فيه تسمو الأرواح فوق شواغل الدنيا، وتصفو النفوس من أدرانها، كأنما يُعادُ تشكيلُ الإنسان من جديد. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو كفٌّ عن اللغو، وغضٌّ للبصر، وحفظٌ للسان، وتطهيرٌ للسريرة.
وإذا كان الجسد يصوم عن الشهوات، فإن القلب يصوم عن الأحقاد، والعقل يصوم عن الغفلة. ومن هنا كانت حقيقة الصيام تربيةً شاملةً تُهذِّب السلوك، وتُقوِّم الأخلاق، وتزرع في النفس خُلُق المراقبة والخشية.
وفي رمضان تتجلّى معاني التكافل بأبهى صورها؛ فيشعر الغني بحال الفقير، وتلتقي الأيدي بالعطاء، وتلين القلوب بعد قسوة، وتُفتح أبواب الخير لكل سائل. وما أجمل موائد الإفطار حين تجتمع عليها المحبة، وما أطيب الصدقات حين تُقدَّم في الخفاء ابتغاء وجه الله.
وهو شهر القرآن، فيه نزل نور الهداية، فكانت تلاوته حياةً للقلوب، وشفاءً للصدور، ومنهجًا للسالكين، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، تتنزّل فيها الرحمات، وتُكتب فيها الأقدار.
ولِمَ كان رمضان خيرَ الشهور؟
كان خيرَها لأن الله اختصّه بفضائل لم يجمعها في غيره؛
ففيه فُرض الصيام وهو ركنٌ من أركان الإسلام، وفيه تُفتح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار وتُصفّد الشياطين، وفيه تتضاعف الحسنات أضعافًا كثيرة، وتُمحى السيئات بالتوبة والإنابة.
وفيه ليلة القدر التي جعل الله العملَ فيها خيرًا من عملِ ثلاثٍ وثمانين سنة، وهذا فضلٌ لم يُعطَ لزمانٍ سواه.
وفيه أنزل القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان، فصار شهرًا للكتاب كما هو شهرٌ للصيام.
ثم إن اجتماع العبادات فيه لا يكاد يتحقق في غيره؛ صيامٌ بالنهار، وقيامٌ بالليل، وصدقةٌ وإحسان، واعتكاف، ودعاء، وتلاوة، فكان جامعًا لأمهات الطاعات، ولذلك كان سيدَ الشهور.
غير أن رمضان لا يُراد له أن يكون أيامًا معدودة تنقضي ثم نعود بعدها إلى ما كنّا عليه؛ بل هو محطةُ تغييرٍ حقيقي، من أحسن اغتنامها خرج منها بقلبٍ جديد وروحٍ نقية، ومن فرّط فيها فقد فرّط في أعظم مواسم العمر.
فيا شهر الصيام، يا شهر القيام، يا شهر الرحمة والغفران، هنيئًا لمن عرف قدرك، وأحسن وفادتك، وجعل من أيامك سلّمًا يرتقي به إلى مرضاة الرحمن. أنت الربيع الذي تزهر فيه الأرواح، والنور الذي تتبدّد به ظلمات القلوب، وسلامٌ عليك ما تعاقب الهلال بعد الهلال.