أسامة الجنايني يكتب :حين يتحوّل الخلاف إلى سلاحٍ موجَّه نحو الأبناء
فبراير 22, 2026
أسامة الجنايني
تمرّ بعض الأسر بتجربة الطلاق، وهي تجربة مؤلمة لا شكّ، تحمل في طيّاتها جراحًا نفسية وذكرياتٍ ثقيلة، غير أن الأخطر من الطلاق نفسه هو ما يحدث بعده، حين يتحوّل الخلاف بين الزوجين إلى معركةٍ صامتة تُدار في عقول الأبناء وقلوبهم. فبعض الأمهات – بدافع الألم أو الغضب – تُربّي أبناءها على كراهية أبيهم، ظنًّا منها أنها تنتصر لنفسها أو تردّ اعتبارها، بينما الحقيقة أنها تُلحق الضرر بأقرب الناس إليها: أبنائها.
الطفل لا يرى أباه مجرد رجلٍ آخر، بل يراه جزءًا من هويته. فإذا كره الأب، كره جزءًا من نفسه دون أن يشعر، وحين يُلقَّن أن أباه سيئ أو ظالم أو لا يستحق الاحترام، ينشأ داخله صراعٌ نفسي بين فطرته التي تحبّ أباها، والكلمات التي تُزرع في عقله، هذا الصراع قد يظهر لاحقًا في صورة قلقٍ، أو انعدام ثقة، أو عدوانية، أو حتى اضطراب في علاقاته المستقبلية.
إن الأم التي تفعل ذلك تظنّ أنها تحارب زوجها السابق، لكنها في الواقع تحارب استقرار أبنائها النفسي، فهي تُغلق في وجوههم باب الأمان، وتزرع فيهم بذور الكراهية بدلًا من الطمأنينة، وقد تكسب لحظةَ انتقامٍ عاطفية، لكنها تخسر سنواتٍ من التوازن النفسي لأبنائها، والأشدّ ألمًا أن الأبناء حين يكبرون ويدركون الحقيقة، قد يشعرون أنهم استُخدموا أداةً في صراعٍ لم يكن لهم فيه ذنب، فيتولّد داخلهم غضبٌ صامت قد يمتدّ إلى الأم نفسها.
التربية الحقيقية ليست تصفية حسابات، بل هي مسؤولية أخلاقية أمام الله وأمام الضمير. فالخلاف بين الزوجين شأنٌ يخصّهما، أما الأبناء فلهم الحقّ في أن يحتفظوا بصورةٍ متوازنة عن والديهم، حتى لو كان أحد الطرفين مخطئًا، يمكن للأم أن تحمي أبناءها دون أن تُشوّه صورة أبيهم، وأن تعبّر عن ألمها دون أن تحمّلهم أعباءً نفسية أكبر من أعمارهم.
ومن سنن الحياة أن الإنسان يجني ما يزرع؛ فمن زرع الكراهية حصد الجفاء، ومن زرع الاحترام حصد البرّ والرحمة، وقد والأم التي تزرع في قلب ابنها كراهية أبيه قد تجد – بعد سنوات – أن هذا الابن نفسه لا يعرف كيف يقدّرها أو يحترمها، لأنه تربّى على أن الطعن في الوالدين أمرٌ ممكن.
ليس المطلوب تزييف الحقيقة أو تبرير الأخطاء، بل المطلوب هو الحكمة: أن نفصل بين الخلاف الزوجي وحقّ الأبوة، وأن نحمي قلوب الأبناء من أن تتحوّل إلى ساحات صراع. فالأب قد يخطئ كزوج، لكنه يظلّ أبًا له حقّ في قلوب أبنائه، كما أن الأم قد تتألّم، لكن أعظم انتصار لها هو أن تُخرج أبناءً أصحاء نفسيًا، لا أبناءً مثقلين بالكراهية.
إن أعظم ما يمكن أن تفعله الأم بعد الطلاق هو أن تقول لأبنائها – بصدقٍ وهدوء –: “أبوكم له مكانته، وخلافنا شيء، ومحبتكم له شيء آخر”، بهذه الكلمات البسيطة تُغلق أبواب الفتنة، وتحفظ قلوبًا من الانكسار، وتكسب احترام أبنائها حين يكبرون.
فالأسرة قد تتغيّر صورتها، لكن مسؤولية التربية لا تتغيّر. ومن أرادت أن تنتصر حقًا، فلتنتصر لأبنائها، لا على أبيهم، لأن انتصار الأبناء هو الانتصار الحقيقي الذي يبقى أثره ما بقي العمر.