د. محمد محسن أبو النور يكتب: حول الحرب الأمريكية المحتملة على إيران
فبراير 20, 2026
د. محمد محسن أبو النور
1ــ اقتربت المنظومة الأمريكية الهجومية قبالة السواحل الإيرانية من الاكتمال جنبا إلى جنب مع مفاوضات جنيف التي تحاول أمريكا فيها استخلاص أكبر قدر من التنازلات الإيرانية من خلال تسريبات إلى مواقع مثل أكسيوس وغيرها عن قرب احتمال الحرب الشاملة.
2ــ وهذه المرة تقول أمريكا في التسريبات إن حربا موسعة على إيران يجري الإعداد لها؛ ما يعني أن ترامب فطن إلى أن هناك ترويجا إيرانيا حول أنه يرغب في حرب خاطفة، وأن طهران سترفع الكلفة العسكرية إلى غاية مداها، وهو هنا يريد أن يعمل ضد السيناريو المروج له إيرانيا من خلال الحديث عن حرب موسعة تستمر لأسابيع.
3ــ ينطلق تحليلي للوضع الراهن من فرضية أساسية مفادها أن تردد دونالد ترامب في الذهاب إلى حرب مفتوحة مع إيران لا يرتبط بميزان القوة التقليدي بقدر ما يرتبط بطبيعة الحرب نفسها وزمنها المتوقع، إذ إن الحرب ضد إيران – وفق هذا المنظور – لن تكون حربا قصيرة قابلة للضبط أبدا، بل ستكون صراعا ممتدا تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية.
4ــ بالتالي فإن السرعة في تنفيذ الحملة العسكرية هي عنصر مركزي في فلسفة ترامب السياسية، إذ يميل رجل الأعمال والصفقات العقارية الربحية السريعة إلى إظهار الحسم الفوري والنتائج السريعة، بينما تمثل حرب الاستنزاف التي تخطط لها إيران خطرا مباشرا على السردية التي يقوم عليها خطاب ترامب السياسي داخليا وخارجيا.
5ــ ولقد راج تحليل في بعض الدوائر الغربية أن إيران دولة ضعيفة ومنهكة بفعل العقوبات الأمريكية خاصة بعد أن وصل سعر كل دولار أمريكي إلى نحو مليون وستمائة وعشرين ألف ريال إيراني وعليه يمكن إخضاعها بضربة مركزة.
6ــ إن هذه المقاربة، في رأيي ومن منظور كثير من مجتمع الخبراء المعنيين بالشؤون الإيرانية حول العالم (آرش مرزبانمهر نموذجا) تتجاهل الطبيعة البنيوية للعقيدة الدفاعية الإيرانية، التي لا تقوم على تحقيق نصر خاطف أو ضربة قاضية، بل على إطالة أمد الاشتباك ورفع كلفة الحرب على الخصم تدريجيا.
7ــ الأهم أنها تتجاهل أن النظام الإيراني الراهن يقع في القلب من 3 أضلاع لمثلث سياسي نادر وهو أنه نظام ثوري وإسلامي وشيعي، والنظم الثورية معروفة بصعوبة تطويعها كما أن النظم الإسلامية يعلو لديها مفهوم الجهاد على مفهود المهادنة، وأخيرا فإن المذهب الشيعي يعطي أتباعه قوة دفع مضاعفة لمواجهة العدوان مقابل الثأر لدم الحسين والتصدي ليزيد قاتل الحسين، وترامب هنا هو يزيد في صورة حديثة، كما أن خامنئي هو حسين جديد بلا أدنى شك، من هذا المنظور.
8ــ ولقد تحدثت مؤخرا أحاديث مباشرة مطولة وموسعة مع نخبة من المفكرين الإستراتيجيين المعنيين بإيران حول العالم (ومنهم البروفيسور ولي نصر) واتفق الجميع على أن الإستراتيجية الإيرانية منذ الحرب العراقية – الإيرانية (1980 ــ 1988م) بنيت على مبدأ التحمل، والامتصاص، ثم الاستنزاف، أي جر الخصم إلى صراع يتآكل فيه رصيده السياسي والاقتصادي وبالتالي تضعف عزيمته بمرور الوقت، اعتمادا على أن السيكولوجية الإيرانية لها خبرة واسعة في الصبر وتحمل الأزمات.
9ــ بناء عليه تقف حسابات الدفاع الصاروخي بوصفها لب المشكلة في أي مواجهة محتملة، فالحروب الحديثة، خاصة بين أطراف لا تخوض اشتباكا بريا مباشرا، تحسم إلى حد بعيد عبر معادلة الكلفة والمخزون بين الصواريخ الهجومية ومنظومات الاعتراض الدفاعية.
10ــ ومن المعروف أن الصاروخ الهجومي غالبا أقل تكلفة وأسرع إنتاجا من صاروخ الاعتراض، كما أن الدفاع يحتاج في أحيان كثيرة إلى إطلاق أكثر من صاروخ لاعتراض هدف واحد، ومع تكرار الرشقات، تتعرض المخزونات الدفاعية للاستنزاف بوتيرة أعلى من قدرة التعويض، خاصة إذا كانت خطوط الإنتاج محدودة أو مرتبطة بأولويات إستراتيجية أخرى، ولا يجب إغفال أن مخزون الأسلحة الأمريكية تعرض للاستنزاف بفعل الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وهي حقيقة يجاهر بها الأمريكان أنفسهم.
11ــ وعلى افتراض أن أمريكا نجحت في اعتراض أغلب الصواريخ الإيرانية، فإن مرور نسبة ضئيلة من الصواريخ قد يكون كافيا لإحداث أثر إستراتيجي غير متناسب مع حجم الاختراق، مثل: تعطيل مطار رئيسي، أو إصابة منشأة طاقة، وإغلاق مجال جوي، أو إصابة أو إغراق قطع بحرية أمريكية أو حتى رفع تكلفة التأمين البحري وهو ما من شأنه أن يحدث ضغطا اقتصاديا ونفسيا وسياسيا يتجاوز بكثير القيمة العسكرية المباشرة للضربة.
12ــ وفق الإستراتيجية الإيرانية المعتمدة على تحمل الضربات الأمريكية والصبر الإستراتيجي والاستنزاف، ومع استمرار الصراع، وارتفاع وتيرة الخسائر الأمريكية، قد تتزايد نسبة الاختراق مع نضوب الموارد الدفاعية الأمريكية أو إرهاق الطواقم الفنية واللوجستية، أخذا في الاعتبار أن إيران ستقاتل على أراضيها وبكامل قواتها المسلحة.
13ــ كما أن قدرة الولايات المتحدة على تعويض مخزونات الاعتراض عالية المستوى، أمر قد يستغرق سنوات، بما يخلق تكلفة فرصة إستراتيجية أكثر إرهاقا لصانع القرار الأمريكي في البنتاجون، خاصة في ظل احتياجات موازية في مسرح غربي المحيط الهادئ.
14ــ هنا لا تقاس المسألة فقط بقدرة واشنطن على الدفاع عن إسرائيل أو قواعدها، ولكن بمدى تأثير الاستنزاف على جاهزيتها الشاملة وتوزيع مواردها عالميا، لاسيما مع الحصار البحري المفروض على فنزويلا واحتياج أمريكا إلى إثبات قدراتها العالمية في مسارح عمليات أخرى منها بحر الصين ومضيق تايوان.
15ــ وفي رأي المفكر الإيراني الكبير، آرش مرزبانمهر، فإن القدرات الإيرانية توصف بأنها “منظومة منظومات”، حيث تعمل الصواريخ الباليستية والكروز والمسيرات الضاربة في تكامل وظيفي يهدف إلى خلق ضغط متواصل ومتعدد الطبقات، حتى إسقاط المسيرات منخفضة الكلفة يعد ــ ضمن تصور آرش مرزبانمهر ــ نجاحا جزئيا لطهران لأنه يفرض كلفة اعتراض ويسهم في إنهاك الدفاعات، وبالتالي فإن الهدف ليس اختراقا شاملا، بل إدارة إيقاع مستمر من الاستنزاف المتدرج.
16ــ هناك بعد آخر يكتسب أهمية خاصة وهو البعد البحري، من خلال دور الحوثيين في باب المندب والبحر الأحمر، فالإكراه البحري هنا لا يستهدف تدمير الأساطيل، بل تقييد حركتها ورفع كلفة التأمين وإجبار السفن على تغيير المسارات، وبالتالي يعد الإكراه البحري وفق المنظور الإيراني شكلا من أشكال الحرب الاقتصادية غير المباشرة، حيث يتحول التهديد المستمر إلى أداة ضغط عالمية تتجاوز ساحة الاشتباك المباشر.
17ــ في ضوء ذلك، أرى بوضوح أن النمط المفضل لإيران في حال اندلاع صراع طويل هو اعتماد رشقات صغيرة يومية تتخللها موجات أكبر، بما يراكم إرهاق الطواقم الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية ويقيد القدرة على تخصيص موارد كافية للعمليات الهجومية المقابلة، فكل ساعة تستنزف في الدفاع هي ساعة لا تستثمر في الهجوم، بما يخفف الضغط على المدافعين الإيرانيين ويعطيهم أريحية في فترات الدفاع المحتملة، وليس لدي شك في أن قوات الضفادع البشرية الإيرانية سيكون لها دور تاريخي في المعارك المحتملة مع الأساطيل البحرية الأمريكية.
18ــ عليه فإنه عند إسقاط هذه المعادلات على توازنات عام 2026، التي تبدو مغايرة تماما لتوزانات الحرب الأمريكية على العراق 2003م، أو حتى عملية عاصفة الصحراء 1991م، فإن حسابات ترامب الداخلية تبدو حاسمة للغاية، فحرب استنزاف طويلة قد تهدد رئاسته وسرديته السياسية، خصوصا إذا ترافقت مع أعباء اقتصادية أو خسائر مؤثرة، بفعل الدور المحتمل للبحرية الإيرانية والضفادع البشرية التي تلقت تدريبات لسنوات طويلة بالجزر القريبة من السواحل الإيرانية.
19ــ لذلك يرجح أن تكون الضربة الأمريكية رمزية ومحدودة، مع استعداد أمريكا لتلقي ضربة رمزية مقابلة من إيران، وهنا تظهر أمريكا القوة دون الانزلاق إلى تصعيد مفتوح، تزامنا مع سرديتها عن أن الضربة الإيرانية تمت بتنسيق معها لإضعاف الموقف السياسي الإيراني، ثم استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي، وهو الخيار الأكثر انسجاما مع منطق ترامب السياسي مقارنة بحرب مفتوحة غير مضمونة الأفق، وهو شخصيا لا يمكنه التنبؤ بتداعياتها الدرامية الحالكة.
20ــ ملخص ما أعلاه أن تصور ترامب حول أن استعراض الحشود والضغوط سيحدثان أثرا مباشرا في القرار الإيراني، وأن خامنئي سيعطي الضوء الأخضر بالتنازلات، هو رهان غير وارد لا في مسقط ولا في جنيف، ولن يتحقق – على الأرجح – في أي عاصمة أخرى، حتى وإن قامت الحرب بالفعل، فالأمر لا يتعلق بخطاب تعبوي أو لغة تحد من جانب المرشد الإيراني، بل بقراءة لواقع سياسي استشهادي يمكن تلمسه بوضوح في طهران من خلال الأحاديث مع نخبة مجتمع الخبراء أو من خلال تحليل منطوق تصريحات المسؤولين، وحتى لو أقدم ترامب على عمل عسكري ضد إيران؛ فإن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط النظام، إذ إن بنيته أسست أصلا منذ زمن الخميني على امتصاص الصدمات والتكيف مع الضغوط واستنزاف الخصوم وإعلاء القوة الروحية، أكثر مما قامت على الارتهان لمعادلات القوة المادية، وإلا لكانت إيران رضخت واستسلمت لأمريكا قبل عهد ترامب بعقود.