هل اقتربت الولايات المتحدة من شن غارات عسكرية ضد إيران؟
يناير 29, 2026
إيران
كتب: هاني غريب
رغم ما يتردد في الآونة الأخيرة عن قنوات تواصل غير معلنة ورسائل متبادلة بين واشنطن وإيران، فإن المشهد العام لا يوحي بوجود مسار تفاوضي جاد بقدر ما يعكس محاولة متبادلة لاحتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، فالمعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى أن ما يجري أقرب إلى إدارة أزمة حادة، لا إلى مفاوضات حقيقية يمكن أن تفضي إلى تسوية شاملة ومستقرة.
وتكشف مؤشرات نقلتها وسائل إعلام غربية ومصادر مطلعة أن الطرفين لم يدخلا بعد في مفاوضات مباشرة وفعّالة، وأن الخلاف حول «شروط الدخول» إلى أي طاولة تفاوض بات بحد ذاته رسالة سياسية متبادلة، ففي حين تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق واسع يشمل البرنامج النووي الإيراني، ومنظومة الصواريخ الباليستية، إضافة إلى الدور الإقليمي لطهران ونفوذها في الشرق الأوسط، تصر إيران على حصر أي نقاش محتمل في الملف النووي فقط، ورفض إدراج ملفات أخرى تراها سيادية أو مرتبطة بأمنها القومي.
هذا التباين الحاد يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن طهران قد تكون مقتنعة بأن عرض ترمب لعقد «صفقة كبرى» ليس سوى مناورة سياسية، أو محاولة لكسب الوقت وتهيئة الرأي العام الدولي، بينما يجري في الكواليس التحضير الجدي لعمل عسكري محتمل. ويستند هذا التصور إلى تجربة سابقة في يونيو 2025، عندما تعرضت منشآت نووية إيرانية لقصف أميركي مفاجئ، سبقته أيضاً إشارات دبلوماسية لم تمنع الضربة.
وبالتوازي مع تصاعد لهجة التهديد من جانب الرئيس الأميركي، يعيد هذا الانسداد الدبلوماسي طرح سؤال محوري: هل تتحول الدبلوماسية إلى مجرد غطاء سياسي لعمل عسكري قادم، أم أنها تمثل الفرصة الأخيرة لتفادي مواجهة واسعة العواقب؟
اللافت هذه المرة أن التحركات العسكرية الأميركية تتسم بحجم ونوعية مختلفين عما سبق. فالأمر لا يقتصر على استعراض قوة تقليدي، بل يشمل تموضعاً هجومياً ودفاعياً مركباً يوحي بالاستعداد لعدة سيناريوهات. فقد وصلت حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية إلى نطاق عمليات «القيادة الوسطى الأميركية»، في خطوة تتيح دعم أي ضربات محتملة، وفي الوقت ذاته توفير مظلة حماية للحلفاء في حال الرد الإيراني.
ويتزامن هذا الانتشار مع تعزيزات كبيرة في منظومات الدفاع الجوي، مثل «باتريوت» و«ثاد»، إضافة إلى تدريبات جوية مكثفة تركز على مفاهيم «الانتشار السريع» و«توليد الطلعات» والعمل تحت ظروف تشغيل معقدة. ووفق بيانات القيادة الوسطى الأميركية، فإن هذا النمط من التدريبات يرتبط عادة برفع مستوى الجاهزية لاحتمالات الردود المتبادلة واتساع رقعة الاشتباك.
في المقابل، تدرك واشنطن أن أي عملية عسكرية ضد إيران لا يمكن مقارنتها بعمليات سابقة نُفذت في مسارح أقل تعقيداً. فإيران دولة ذات مساحة جغرافية واسعة، وبنية عسكرية متعددة الطبقات، وقدرات صاروخية متقدمة، إضافة إلى شبكة دفاع جوي وتحالفات إقليمية تجعل من توجيه «ضربة حاسمة وسريعة» مهمة بالغة الصعوبة، حتى في ظل التفوق العسكري الأميركي.
خيارات ترمب… بين الردع والحرب
تحدثت تسريبات غير مؤكدة عن احتمال تنفيذ ضربة أميركية قبل نهاية الشهر الجاري، وهي معلومات لم تُدعّم بإعلان رسمي حتى الآن، غير أن خطورة هذه التسريبات تكمن في تأثيرها السياسي والعسكري؛ إذ إن حشد قوة بهذا الحجم يخلق ضغطاً داخلياً وخارجياً على البيت الأبيض لتبرير الكلفة السياسية والعسكرية عبر تحقيق «نتيجة ملموسة»، حتى وإن كانت محدودة النطاق.
وفي الوقت ذاته، لا يستبعد مراقبون أن تكون هذه التسريبات جزءاً من حرب نفسية تهدف إلى دفع طهران لتقديم تنازلات في اللحظات الأخيرة، قبل أن يُغلق باب التراجع وتصبح المواجهة أمراً واقعاً. ووفق هذا المنطق، يبقى المشهد مفتوحاً على ثلاثة سيناريوهات رئيسية: توجيه ضربة محدودة لفرض قواعد اشتباك جديدة؛ أو إطلاق حملة أوسع تستهدف البنية النووية والصاروخية ومفاصل أمنية حساسة؛ أو الاستمرار في الضغط العسكري دون إطلاق نار، باعتباره أداة تفاوضية.
وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن خيارات ترمب في حال اتخاذ قرار المواجهة تشمل ضربة «عقابية» محدودة تستهدف مواقع صاروخية أو منشآت مرتبطة بالحرس الثوري، بهدف رفع كلفة الرفض الإيراني دون السعي إلى إسقاط النظام. كما يبرز خيار توسيع بنك الأهداف ليشمل منشآت نووية يُعتقد أنها خضعت لإعادة تحصين أو أعيد تشغيلها في مواقع أعمق تحت الأرض.
إلى جانب ذلك، تطرح خيارات ضغط غير تقليدية، مثل تشديد الحصار البحري أو استهداف بنى تحتية تابعة للدولة، بوصفها رسائل سياسية مباشرة، لكنها تبقى خيارات عالية المخاطر لأنها ترفع احتمالات خروج الردود عن قواعد الاشتباك التقليدية.
ويبقى السؤال الأصعب هو «نهاية اللعبة». فحتى داخل الإدارة الأميركية، يسود إدراك ضمني بأن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة انهياره، وأن سيناريو «ما بعد الضربة» يفتقر إلى إجابات واضحة، وهو ما يفسر التحذيرات المتكررة في تقارير مسربة وتصريحات رسمية من أن النظام الإيراني «أضعف من أي وقت مضى»، لكن توجيه ضربة قاصمة لا يضمن نتائج حاسمة.
كيف يمكن أن ترد إيران؟
من جانبها، تلوّح طهران بأن أي هجوم سيُعد «بداية حرب شاملة»، وأن الرد قد لا يقتصر على المصالح الأميركية فحسب، بل قد يشمل إسرائيل، خصوصاً تل أبيب، إضافة إلى «كل من يشارك أو يدعم العدوان»، وعلى المستوى العملياتي، تمتلك إيران سلماً متدرجاً للرد، يبدأ باستهداف قواعد أميركية في المنطقة عبر صواريخ أو طائرات مسيّرة، ويمتد إلى تفعيل حلفاء ووكلاء إقليميين، وصولاً إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو السيناريو الأكثر تأثيراً على الاقتصاد العالمي.
ويُعد هذا الاحتمال الأخير أحد أبرز الأسباب التي تدفع دول المنطقة إلى تجنب الحرب والسعي إلى تحييد نفسها، مع مواصلة دعم الجهود الدبلوماسية، كما قد يؤدي ذلك إلى تعقيد العمليات الأميركية، وزيادة الاعتماد على منصات بحرية بعيدة عن السواحل.
في الأثناء، أرسلت الأسواق إشارات إنذار مبكرة؛ إذ ارتفعت أسعار النفط لثلاث جلسات متتالية وسط مخاوف من تعطل الإمدادات، واقترب سعر خام «برنت» من مستوى 70 دولاراً للبرميل، بالتوازي مع ارتفاع «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، وصعود أسعار الذهب كملاذ آمن. وفي حال وقوع ضربة عسكرية، يُتوقع أن تتجلى التداعيات على ثلاثة مستويات: اقتصادياً عبر قفزة في أسعار الطاقة واضطراب الشحن والتأمين؛ أمنياً عبر اتساع ساحات الاشتباك؛ وسياسياً عبر تضييق فرص التفاوض، أو على العكس، استخدام ضربة محدودة لفرض طاولة تفاوض بشروط أكثر صرامة.