تحقيقات
أخر الأخبار

ترامب يتراجع فجأة عن ضم جرينلاند.. جبهة أوروبية موحدة.. تردد الجمهوريين وقلق الأسواق المالية تجبر الرئيس الأمريكي على تعديل موقفه وسط مخاوف من فقدان الثقة الدولية

تحليل: أسامة الجنايني
لماذا تراجع ترامب فجأة عن فكرة الاستحواذ على جرينلاند؟
جبهة أوروبية موحدة، تحفظات داخل الكونجرس، واضطراب الأسواق المالية أجبرت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التراجع عن واحدة من أكثر تصريحاته إثارة للجدل، بحسب ما كشفته صحيفة واشنطن بوست.
وأكدت الصحيفة أن تراجع ترامب السريع عن تهديداته بفرض رسوم جمركية قاسية، أو حتى التلويح باستخدام القوة العسكرية من أجل ضم جرينلاند، عكس وجود حدود وضغوط حقيقية لا تزال قادرة على كبح اندفاعه السياسي، رغم أسلوبه التصعيدي.
معارضة أطلسية وضغوط اقتصادية
أوضحت واشنطن بوست أن مجموعة من العوامل اجتمعت لتدفع ترامب إلى التراجع، أبرزها تشكل جبهة معارضة قوية من حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو، إلى جانب مخاوف الأسواق المالية من اندلاع حرب تجارية واسعة قد تهز الاقتصاد العالمي.
كما لعب تردد عدد من الجمهوريين في الكونجرس دورًا مؤثرًا، إذ لم يُبدوا الحماس المعتاد لدعم أفكار الرئيس، خاصة تلك التي تمس استقرار العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، حاول رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون التقليل من خطورة التصريحات، معتبرًا أن حديث ترامب عن العمل العسكري لا يتجاوز كونه ورقة تفاوضية للفت الانتباه إلى الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند.
جرينلاند 1
من التصعيد إلى التهدئة خلال ساعات
بعد ساعات قليلة فقط من خطاب حاد ألقاه ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، استغرق ساعة كاملة وأعاد خلاله التأكيد على «حق الولايات المتحدة في الحصول على جرينلاند وامتلاكها»، عاد الرئيس الأمريكي ليغير نبرته تمامًا.
وأعلن عقب اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته التوصل إلى «إطار عمل لاتفاق مستقبلي»، في خطوة عكست تراجعًا واضحًا عن لغة التهديد.
غير أن هذا الإطار، الذي ما زال قيد التفاوض، لا يتضمن أي بند يتعلق باستحواذ الولايات المتحدة على الجزيرة القطبية التابعة للدنمارك ذات الحكم الذاتي، كما لم يتضح بعد ما إذا كانت واشنطن ستحصل من خلاله على مكاسب جديدة تتجاوز ما توفره الاتفاقيات القائمة منذ عقود.
الضرر السياسي لم يُمحَ بعد
رغم انحسار الأزمة ظاهريًا، ترى واشنطن بوست أن تداعياتها السياسية لم تنتهِ بعد، خاصة فيما يتعلق بصورة الولايات المتحدة داخل حلف الناتو ومستوى الثقة بها.
فقد كشفت الأزمة عن هشاشة العلاقات، وأعادت طرح تساؤلات حول مدى موثوقية واشنطن كشريك استراتيجي مستقر.
مركز الخليج الثلجي في جرينلاند
خطاب كندي يعكس القلق الدولي
في ذروة التوتر، ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابًا في دافوس أكد فيه أن العالم يعيش «مرحلة تحول عميقة، لا مجرد مرحلة انتقالية».
وقال إن النظام الدولي القائم على القواعد بات يتآكل، وإن منطق «القوة يفرض نفسه» أصبح أكثر حضورًا، محذرًا من أن الخضوع للأمر الواقع لن يضمن الأمن.
ورغم أن كارني لم يذكر ترامب بالاسم، فإن رسالته كانت واضحة، وجاءت بمثابة خروج عن سياسة المهادنة التي اعتمدها حلفاء الناتو سابقًا عبر إغداق المديح على الرئيس الأمريكي لكسب وده.
نهاية سياسة المجاملات؟
تلفت الصحيفة إلى أن أوروبا بدأت تدرك أن سياسة استرضاء ترامب لها حدود، وأن الرئيس الأمريكي يتمتع بطابع متقلب يصعب التنبؤ بسلوكه، وهو ما ظهر جليًا في ملف جرينلاند، كما ظهر سابقًا في مواقفه المتغيرة من دعم أوكرانيا.

الوجه الإيجابي الوحيد للأزمة
وترى واشنطن بوست أن الإيجابية الوحيدة في هذه الأزمة هي أنها دفعت أوروبا إلى التفكير بجدية في تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، بدلًا من الاعتماد الدائم على الولايات المتحدة كضامن أساسي.
وهو هدف طالما سعى إليه ترامب في علاقته المتوترة مع الناتو، حيث نجح بالفعل في دفع دول الحلف إلى زيادة إنفاقها العسكري.
سؤال الثقة الأمريكية
ويقول ماكس بيرجمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية:
«على مدى ثمانين عامًا، كانت الولايات المتحدة هي صاحبة القرار في أوروبا… لكن هذا الواقع لن يستمر إلى الأبد».
ويضيف أن التحدي الحقيقي الآن أمام واشنطن لا يقتصر على إدارة الأزمات، بل يتمثل في سؤال أكبر:
كيف يمكن استعادة القيادة الأمريكية وبناء الثقة الدولية من جديد بعد أزمة جرينلاند؟

زر الذهاب إلى الأعلى