مقالات
مها البديني تكتب: صحفيو المواقع الإلكترونية.. حقوق معلّقة بين كيان جديد ونقابة تبحث عن التطوير
لم يكن الجدل الأخير حول إنشاء كيان يجمع المؤسسات الصحفية الإلكترونية مجرد نقاش حول شكل تنظيمي جديد، بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا لم يجد إجابة نهائية: ماذا عن آلاف الصحفيين الذين يعملون داخل المواقع والمنصات الرقمية، ويمارسون العمل الصحفي يوميًا، لكنهم ما زالوا يبحثون عن مظلة مهنية تحمي حقوقهم وتنظم أوضاعهم؟
بدأ النقاش بعد طرح فكرة إنشاء كيان للمواقع الإلكترونية، حيث أوضح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان أن المقترح يتعلق بكيان مؤسسي يضم المؤسسات الصحفية الإلكترونية وليس إنشاء نقابة موازية لنقابة الصحفيين، بهدف معالجة مشكلات هذه المؤسسات والتحدث بصوت موحد.
لكن في المقابل، لا تقتصر أزمة الحماية المهنية على صحفيي المواقع الإلكترونية فقط، فهناك أيضًا آلاف العاملين في الصحف الورقية، خاصة بعض المؤسسات الصحفية الرسمية، ممن ما زالوا ينتظرون قرارات التعيين أو تسوية أوضاعهم المهنية رغم سنوات من العمل داخل المؤسسات.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل يكون معيار الحصول على المظلة النقابية مرتبطًا بشكل المنصة التي يعمل بها الصحفي، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، أم بطبيعة ممارسته للمهنة واستيفائه للمعايير المهنية والقانونية، وهنا الجدل القائم حول تعديل اللائحة
كما يطرح هذا الملف تساؤلات حول مستقبل عضوية النقابة وآليات القيد، في ظل مخاوف لدى بعض الأعضاء من تأثير زيادة أعداد الجمعية العمومية على الخدمات والامتيازات، وفي مقدمتها بدل التكنولوجيا الذي أصبح يمثل دعمًا اقتصاديًا مهمًا للعديد من الصحفيين في ظل الظروف المعيشية الحالية.
نعود مرة أخرى للصحفيين الرقميين، لأن مجرد طرح الفكرة فتح بابًا واسعًا من التساؤلات داخل الوسط الصحفي، بين من يرى أن أي إطار جديد قد يمثل فرصة لتنظيم قطاع الصحافة الرقمية المتنامي، وبين من يخشى أن يتحول إلى كيان ينافس نقابة الصحفيين أو يؤثر على وحدتها ودورها التاريخي.
أزمة أوسع من فكرة الكيان
القضية الأساسية ليست فقط: هل نحتاج إلى كيان جديد أم لا؟ بل السؤال الأهم هو: كيف نضمن أن يحصل الصحفي الذي يعمل في موقع إلكتروني مرخص، ويمارس العمل الصحفي وفق القواعد المهنية، على الحماية والحقوق نفسها التي يحصل عليها زميله في الصحف التقليدية؟
فالصحافة تغيرت بشكل جذري؛ فلم تعد الصحيفة الورقية هي المنصة الوحيدة لصناعة الخبر، وأصبحت المواقع الإلكترونية جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي، تنتج التحقيقات، والتغطيات الميدانية، والحوارات، والتحليلات، وتتحمل مسؤولية مهنية وقانونية كاملة.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: كم عدد المواطنين الذين ما زالوا يعتمدون على الصحف الورقية كمصدر رئيسي للمعلومات؟ وما حجم العائدات الاقتصادية التي تحققها صناعة الطباعة والتوزيع مقارنة بالتحول الكبير نحو المنصات الرقمية؟
ورغم هذا التحول، لا يزال عدد كبير من الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية يواجهون تحديات تتعلق بالعضوية، والحماية المهنية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهو ملف يحتاج إلى نقاش جاد وموضوعي بعيدًا عن التخوين أو التخوف المسبق، بما يضمن تطوير المهنة وحماية العاملين بها.
هل المشكلة في القانون أم في التطبيق؟
يرى بعض الصحفيين أن الحل يبدأ من داخل نقابة الصحفيين نفسها، عبر مراجعة قوانين القيد وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة الصحافة الرقمية، خاصة أن المهنة تغيرت بشكل كبير منذ وضع العديد من القواعد المنظمة الحالية.
في المقابل، يرى آخرون أن وجود إطار مؤسسي للمواقع الإلكترونية قد يساعد في حل مشكلات تخص المؤسسات نفسها، مثل التدريب، والتطوير، والعلاقات المهنية، والتحديات الاقتصادية التي تواجه الصحافة الرقمية، مع إنشاء كيان لهم.
يرى آخرون، أن دخولهم من الممكن أن يتم في لجنة الانتساب للصحفيين.
بينما يرى آخرون ضرورة تعديل اللوائح و فتح الباب لدخولهم للنقابة.
وأصوات أخرى تؤكد أن النقاش الحقيقي يجب أن يدور حول كيفية مد الحماية النقابية إلى ممارسي المهنة في الصحف والمواقع الإلكترونية، مع التأكيد على أن إنشاء نقابة موازية ليس مطروحًا.
الخوف على المصالح أم الخوف على النقابة؟
أحد أسباب اشتعال الجدل أن ملف العضوية النقابية يرتبط بشكل مباشر بمصالح وحقوق، فهناك من يرى أن توسيع دائرة القيد قد يغير شكل الجمعية العمومية ويؤثر على توازنات انتخابية داخل النقابة، بينما يرى آخرون أن حماية المهنة لا يمكن أن تكون عبر إغلاق الأبواب أمام صحفيين يمارسون العمل فعليًا.
وبين الرؤيتين يبقى السؤال: هل الهدف حماية كيان النقابة أم حماية الصحفيين؟
فالنقابات تاريخيًا لم تُبنَ لحماية الأعضاء الحاليين فقط، وإنما لتنظيم المهنة وضمان حقوق العاملين بها.
ما الذي يحتاجه صحفيو المواقع؟
قبل الحديث عن أي كيان جديد، هناك مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة:
هل سيكون أي كيان جديد له شخصية قانونية محددة؟
هل سيضم المؤسسات فقط أم الصحفيين العاملين بها؟
هل سيمنح حماية قانونية ومهنية؟
هل سيكون له دور في التدريب والتأهيل؟
هل سيكون له علاقة بالبدلات والخدمات الاجتماعية أم سيظل دورًا تنظيميًا فقط؟
وكيف سيكون وضع الصحفي الذي يعمل في موقع إلكتروني ويرغب في مظلة نقابية حقيقية؟
الحل ليس في الصراع بل في التنظيم
الصحافة الرقمية ليست خصمًا للصحافة التقليدية، والصحفي الإلكتروني ليس منافسًا لزميله في الصحيفة الورقية، فكلاهما يمارس المهنة نفسها ويواجه التحديات ذاتها.
المطلوب ليس خلق صراع جديد داخل الجماعة الصحفية، وإنما الوصول إلى صيغة قانونية ومهنية تضمن حماية كل من يمارس الصحافة وفق قواعدها.
فالمستقبل لن ينتظر شكل الصحافة القديم، والمهنة التي تريد الحفاظ على قوتها تحتاج إلى أن تتطور مع أدواتها الجديدة.
ويبقى السؤال الأهم أمام المجتمع الصحفي:
هل نبحث عن كيان يحمي الصحفيين، أم نكتفي بالدفاع عن الأشكال القديمة للمهنة؟






