مقالات
سعد محيو يكتب: من ترامب إلى بأول ومن خامنئي إلى خميني
سعد محيو
إلى متى يمكن أن تستمر حالة “ربع الحربّ” وثلاثة أرباع المناورات الاقتصادية والسياسية المُكلفة بين إيران والولايات المتحدة؟
هذه الحالة لا تشبه وضعية اللاحرب واللاسلام المعروفة، بل هي حرب الاستنزاف الشهيرة التي تقوم برمتها على الرهانات:
- الولايات المتحدة كانت منذ حرب الأيام الـ12 في شباط/ فبراير العام 2005، ولا تزال اليوم وإن بضجيج إعلامي أقل، تراهن على سقوط النظام الإيراني. ومنذ تجدّد الحرب في حزيران/ يونيو 2026، يبدو واضحاً أن الرئيس ترامب لا يزال مقنعاً بصحة “الوثائق والدلائل” التي قدمّها له رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو خلال زياراته العديدة إلى البيت الأبيض، حول “حتمية” سقوط النظام، خاصة في أعقاب المظاهرات الشعبية الضخمة التي اجتاحت إيران قبل أسابيع من بدء الحرب، والتي بدأت برفع شعار المطالبة بتوفير الماء (أزمة بيئية- مائية طاحنة في إيران) والحاجيات الأساسية، وما لبثت أن تطوّرت للدعوة إلى تغيير النظام.
ولا ننسى هنا، كخلفية تاريخية مهمة في هذا السياق، تلك الوثيقة التي كشف عنها الجنرال المتقاعد الأميركي لسلي كلارك العام 2007 قال إن البنتاغون وضعها العام 2002، وتتضمنت خططاً مفصلة لتدمير 7 دول شرق أوسطية خلال سنوات قليلة آخرها إيران (تم بالفعل تدمير سورية والعراق ولبنان والسودان والصومال وليبيا).
ترامب اقتنع بطرح نتنياهو لأنه كان يريد أن يقتنع، في إطار توجهه العام لدفن النظام العالمي الليبرالي الذي أقامته الولايات المتحدة على رفاة الإمبراطوريات الأوروبية غداة الحرب العالمية الثانية الذي كان يرقص على إيقاع العولمة، لأن هذا النظام لم يعد يخدم المصالح الأميركية. وأيضاً لأن “الخريطة الجديدة لأميركا”(وهو نفسه عنوان الكتاب الجديد لمحلل البنتاغون البارز توماس بارنيت)، تتضمّن بالدرجة الأولى العودة إلى قواعد عمل إمبرياليات القرن التاسع عشر، عبر التوسّع الجغرافي في كل القارة الأميركية والمحيط المتجمد الشمالي، وصولاً إلى أقسام واسعة من المحيطين الهادئ والهندي.
- في المقابل، إيران التي نجت من الضربات الماحقة الأميركية- الإسرائيلية، وحققت نجاحاً في مواصلة نقل المعركة إلى خارج عرينها القومي، كما كانت تفعل طيلة 45 عاماً منذ نهاية الحرب العراقية- الإيرانية حين تمددت إلى شرق المتوسط واليمن والعراق، فاجأت واشنطن بتنفيذ تهديداتها بتمديد المعركة إلى مضيق هرمز، إضافة إلى قصف مواقع في دول الخليج وإسرائيل. وهي تراهن الآن على أن استمرار صمودها سنتين أخريين إلى حين رحيل الرئيس ترامب، سيؤدي إلى وصول إدارة جديدة قد تسقط من اعتبارها مسألة إسقاط النظام وتحفظ لها بعض نفوذها في الشرق الأوسط.
لا بل ربما تراهن طهران أكثر على أن هذه الإدارة الجديدة ستكون قادرة على الاعتراف بفشل الحرب الأميركية- الإسرائيلية وتقرر نقل الموارد نحو القارة الأميركية/ وآسيا الباسيفيك. كما أنها قد تكون مستعدة للتفاوض حول ترتيبات إقليمية جديدة في الشرق الأوسط تتجاوز مشروع النظام الإقليمي الإسرائيلي- الهندي- الخليجي (مشروع الممر الاقتصادي من بومباي إلى حيفا)، وأيضاَ الشرق الأوسط الجديد بشطريه الاقتصادي- البيريزي والتوارتي- اليميني.
قد يبدو هذا الرهان الإيراني طموحاً محلّقاً. لكن أي مسؤول في طهران يطل من شرفة منزله على مشهد الانتخابات التي بدأت لتوها في الولايات المتحدة، وعلى تمرد العديد من الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي على رئيسهم ترامب (لأسباب انتخابية في الدرجة الأولى)، يستطيع أن يبرر لنفسه هذا النمط من الحسابات.
أولبرايت أم بأول؟
حسنا. لكن، هل هذه الرهانات الأميركية والإيرانية في محلها؟
رهان ترامب على سقوط النظام تراجع إعلامياً، لكن لا يزال قائماً (كما أسلفنا) وسيبقى، طالما أنه لم يعترف بالفشل.
لكن، يجب الانتباه هنا إلى مسألة مهمة: فشل ترامب لا يعني بالضرورة فشل أميركا، على الأقل فيما يتعلّق بأسس ومداميك الزعامة العالمية الأميركية.
بكلمات أوضح: الدولة العميقة و”النخبة السرية” الحاكمة (راجع كتاب “الطبقة الفائقة” لتلميذ كسينجر ديفيد روثكوف) قد تقبل باستراتيجية خروج من حرب ترامب لا تتضمن النصر لواشنطن، لكنها لن تقبل حتماً أي هزيمة في مسألتي المضائق والسيطرة على خطوط الطاقة في مياه الخليج، ناهيك بمواصلة السيطرة على النفط ومعه درة تاجه: البترو- دولار.
لكي تحقق واشنطن هذا الهدف، سيتعيّن على أي إدارة جديدة، أو إدارة ترامب نفسها في حال قررت إعادة النظر في استراتيجيتها (الراهنة المستندة إلى “مبدأ مادلين أولبرايت” حول الاستخدام الفوري للجيش الأميركي)، أن تعود إلى مبدأ كولن باول/واينبرغر الذي وُضع بعد الكارثة الأميركية الكبرى في لبنان العام 1983 (تدمير ثكنات المارينز ومقتل 250 عسكرياً أميركيا)، والذي يتضمّن الشروط التالية لاستخدام القوة العسكرية الأميركية:
–يجب أن تكون المصالح القومية الأميركية في خطر واضح المعالم.
– يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لتخصيص كل الموارد الخاصة بتحقيق النصر.
– يجب أن تكون الأهداف السياسية والعسكرية واضحة لدى صانعي القرار الأميركيين.
– يجب أن يكون صانعو القرار على استعداد لإعادة تقييم مسألة نشر القوات والتمويل باستمرار مع تغيّر الظروف وحتى الأهداف.
– يجب الحصول على دعم الشعب الأميركي والكونغرس من خلال الصراحة والتشاور.
– يجب أن تكون الحرب الملاذ الأخير لأصحاب القرار.
المحللون الأميركيون المعارضون لحرب ترامب في إيران، يستبعدون أن يقبل هذا الأخير بتغيير وجهة حاملة الطائرات الأميركية العملاقة على هذا النحو الجذري عبر تبني “مبدأ بأول”، ولذا فهم يراهنون على تدخّل الكونغرس ليفرض على الإدارة العودة إلى هذا المبدأ.
لكن، ومع ترامب، توقعات الليل حول قراراته قد يمحوها أو خيط ضوء في النهار.
.. وأهداف إيران؟
بالنسبة إلى إيران، سيكون عليها هي الأخرى مواكبة أي تغييرات محتملة في الولايات المتحدة بتوجهات تغييرية مماثلة، أهمها وعلى رأسها تقنين طموح “تحرير” الخليج من الوجود الأميركي، خاصة وأن مثل هذا التحرير في ظل موازين القوى العالمية الراهنة يتطّلب سقوط الزعامة الأميركية المستندة أساساً (كما الامبراطورية البريطانية قبلها وفق ماكيندر) إلى السيطرة على المضائق والبحار والمحيطات(سواء السائلة أو المتجمّدة الآن).
وهذا التغيّر حول مسألة المضائق يجب أن يحدث هنا والآن، قبل أن تعيد أميركا تحديد أهدافها بحيث يتضمن حكماً وضع مسألة هرمز (وربما قريباً باب المندب) ليس فقط كهدف كلي ومركزي للحرب بل أيضاً (ووفق مبدأ بأول) كمادة توافق بين الإدارة وبين الكونغرس والدول الكبرى وربما أيضاً الأمم المتحدة.
الأمر الذي يمكن أن تدرسه طهران هو العودة إلى “عبقرية ” آية الله الخميني في مجال تحليله الواقعي لطبيعة موازين القوى المتغيّرة في كل مرحلة. فهو حين أدرك الخلل الكبير في هذه الموازين العام 1988 محلياً وإقليمياً ودوليا، لم يتورّع عن الإعلان إنه سيتجرع السم وعن أبرام صفقة مع من كان يعتبره “الشيطان مجسماً(الرئيس العراقي صدام حسين).
حصيلة هذا السم كانت تراجعاً تكتيكياً إيرانياً، ما لبث خلال سنوات قليلة أن تحوّل إلى مكاسب استراتيجية أعادت نفوذ طهران إلى ما كان عليه أيام الامبرطور قورش: من شرق المتوسط وغرب آسيا واليمن والعراق إلى إفريقيا وأميركا اللاتينية.






