مقالات

كرم بدرة يكتب: زلزال الشرق الأوسط .. عندما تتغيّر خرائط القوة

لم يعد الشرق الأوسط الذي عرفناه طوال نصف قرن هو ذاته الذي يتشكل الآن أمام أعيننا. ما يجري في المنطقة ليس مجرد جولة جديدة من الصراع، بل أقرب إلى زلزال سياسي واستراتيجي يعيد ترتيب الأرض قبل أن يعيد رسم الخرائط. في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُقاس الأحداث بحجم المعارك، بل بما تحمله من تحولات في موازين القوة.
في قراءة عسكرية لافتة، يلفت الجنرال المصري أحمد وصفي الانتباه إلى أن الحرب الدائرة لم تولد من فراغ، بل جاءت نتيجة توقيت محسوب بعناية. فالحروب الكبرى – كما يقول العسكريون – لا تبدأ عندما ترتفع حرارة الخطاب السياسي، بل عندما تكتمل الاستعدادات الفنية: جاهزية الطائرات، تحديث الصواريخ، واختيار اللحظة التي تتقاطع فيها الظروف العسكرية مع الإيقاع السياسي والديني للمنطقة.
الشرق الأوسط
غير أن السؤال الحقيقي ليس عن الشرارة، بل عن الهدف، فإسقاط نظام هنا أو تغيير معادلة هناك لا يفسر حجم الحشود العسكرية ولا كثافة التحركات البحرية والجوية. الهدف الأعمق – في تقدير كثير من المراقبين – هو السيطرة على ما يمكن تسميته بمخنق الاقتصاد العالمي؛ تلك السلسلة من الممرات التي يمر عبرها نبض التجارة الدولية: مضيق هرمز، باب المندب، قناة السويس، مضيق تيران، ثم البوسفور وصولاً إلى جبل طارق. من يضع يده على هذه الشرايين لا يتحكم في الشرق الأوسط فحسب، بل يمسك أيضاً بمفاتيح الاقتصاد العالمي.
وفي خلفية الصورة يقف صراع أكبر من حدود المنطقة: الصراع على مستقبل النظام الدولي نفسه. فالولايات المتحدة تدرك أن منافسها الحقيقي ليس دولة في الشرق الأوسط، بل القوة الصاعدة في الشرق الأقصى. ومن هنا يصبح التحكم في طرق التجارة والطاقة وسيلة لإبقاء المنافس تحت سقف يمكن السيطرة عليه.
أما الحديث عن الخسائر أثناء المعارك فهو – كما جرت العادة في كل الحروب – ساحة أخرى للصراع في الشرق الأوسط ففي زمن الحرب تُصنع الروايات بقدر ما تُصنع الوقائع، ولا تُكتب الحقيقة كاملة إلا بعد أن يسكت صوت المدافع.
لكن ما يلفت الانتباه في المشهد الإقليمي هو حالة الضغط المتزامن على عدد من الدول الكبرى في العالم الإسلامي: مصر، تركيا، السعودية، وباكستان. هذه الدول، رغم اختلافاتها، تمثل معاً ثقلاً جغرافياً وعسكرياً واقتصادياً لو اجتمع في صيغة تعاون حقيقي لتغيرت معادلات كثيرة في المنطقة. لذلك تبدو الأزمات المحيطة بها وكأنها حلقات في عملية استنزاف طويلة تمنع تشكل هذا التوازن.
تركيا تدرك أن المضائق التي تملكها ليست مجرد ممرات بحرية، بل أوراق قوة استراتيجية. ومصر تدرك أن قناة السويس ليست مجرد مجرى ملاحي، بل مركز ثقل في معادلة التجارة العالمية. والسعودية تعرف أن الطاقة ما زالت لغة النفوذ الأولى في السياسة الدولية. أما باكستان فهي تحمل في معادلة الردع ما يجعلها رقماً لا يمكن تجاهله.
وسط كل ذلك يتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب. الولايات المتحدة لم تعد قادرة على إدارة العالم وحدها كما فعلت بعد الحرب الباردة، وأوروبا تبدو مضطرة لإعادة التفكير في أمنها، بينما تحاول قوى أخرى ملء الفراغ في النظام الدولي.
وفي القاهرة، حيث تعوّد التاريخ أن يمرّ عبر ضفاف النيل قبل أن يعبر إلى ما حوله، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب المصري. فهذا الشعب – الذي عبر آلاف السنين من العواصف – لم يكن يوماً مجرد متفرج على التاريخ، بل كان أحد صُنّاعه. المصريون يعرفون بالفطرة أن لحظات التحول الكبرى تحتاج إلى وحدة الصف، وإلى عقل بارد يرى أبعد من ضجيج اللحظة.
ولهذا يبقى الرهان الأكبر على الشعب المصري العظيم؛ شعب يرى ويفهم، ويقرأ ما بين السطور كما قرأه أسلافه عبر العصور. فمنذ بداية التاريخ، وُجدت مصر لكي تبقى… لا لأنها الأقوى دائماً، بل لأنها الأقدر على الصمود، والأكثر فهماً لمعنى الدولة ومعنى البقاء.
زر الذهاب إلى الأعلى