أسامة الجنايني يكتب: الصبر وتحمل النكبات.. طريق الفرج وبابٌ من أبواب الجنة
فبراير 18, 2026
أسامة الجنايني
يمرّ الإنسان في هذه الحياة بمحطاتٍ متباينة؛ تارةً يُساق إليه الخير سوقًا، وتارةً تتتابع عليه النكبات كأمواج بحرٍ هائج لا يكاد يهدأ، وقد يظنّ المرء أن كثرة الابتلاء علامة غضب، وهي في حقيقتها مدرسة إيمانية يتربّى فيها القلب، ويُهذَّب فيها الصبر، ويُمحَّص فيها اليقين.
إن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بحقيقة هذه الحياة فقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، فالخير ليس دائمًا كرامة، كما أن البلاء ليس دائمًا إهانة، وإنما هما ميزان اختبار، يُعطى العبد ليرى شكره، ويُمنع ليرى صبره، وبين الشكر والصبر ترتفع الدرجات وتُغفر الزلات.
والنكبات إذا تتابعت على القلب أثقلتْه، لكنّها في الوقت نفسه تُعرّفه بضعفه وحاجته إلى ربّه، فينكسر بين يديه انكسارًا محمودًا، وهذا الانكسار هو مفتاح القرب، كم من عبدٍ لم يعرف طريق الدعاء إلا بعد ضيق، ولم يذق لذة المناجاة إلا بعد دمعة، ولم يشعر بحلاوة التوكل إلا حين انقطعت به الأسباب.
الصبر ليس استسلامًا سلبيًا، بل هو قوة داخلية وثبات على الحق، وربطٌ على القلب عند الشدائد، هو أن تحبس لسانك عن الشكوى للخلق، وتطلقه بالدعاء للخالق، وأن تحبس جوارحك عن السخط، وتُشغِلها بالرضا والعمل، ولذلك كان الصبر نصف الإيمان، وكان جزاؤه بغير حساب.
وقد جعل الله للصابرين منزلةً عظيمة، فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقال النبي ﷺ إن الصبر ضياء، فهو نورٌ في القلب يبدّد ظلمات الحزن، ويمنح صاحبه سكينةً وسط العواصف، ومن تأمل سير الأنبياء وجد أن طريقهم كان مليئًا بالابتلاء، ومع ذلك كانوا أشدّ الناس طمأنينة لأنهم عرفوا أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
والصبر بابٌ من أبواب الجنة، بل هو طريقها الممهّد. فمن صبر على فقدٍ، أو مرضٍ، أو ضيقٍ في الرزق، أو أذى في الناس، وهو محتسبٌ يرجو ما عند الله، كُتِب له من الأجر ما لا يخطر له على بال، وما النكبات المتتالية إلا رسائل رحمةٍ خفيّة، تُطهِّر القلب من التعلّق بالدنيا، وتربطه بالآخرة.
فلننظر إلى البلاء بعين الإيمان لا بعين الجزع، ولنعلم أن بعد العسر يسرًا، وأن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، فإن صبر اصطفاه، وإن رضي اجتباه، وما أجمل أن يقول العبد في ختام كل محنة: الحمد لله الذي لم يجعلها في ديني، وجعلني من الصابرين.
فالصبر ليس مجرد تحمّلٍ للألم، بل هو عبورٌ إلى الجنة، وارتقاءٌ في مدارج القرب، وطمأنينةٌ يسكبها الله في قلب من وثق به، ومن صبر اليوم على مرارة الابتلاء، تذوّق غدًا حلاوة اللقاء.