محمد حسان يكتب: بدلة رقص في الشارع.. حكاية شاب كُسرت كرامته في وضح النهار
فبراير 14, 2026
محمد حسان
في أحد شوارع قرية هادئة بمحافظة القليوبية، لم يكن الشاب يتخيل أن يومه سينتهي بهذه الطريقة، خرج مثل أي شاب في مثل سنه، يحمل همومه الصغيرة، وربما أحلامه البسيطة، دون أن يعرف أن لحظات قليلة ستبدّل حياته إلى الأبد.
مشادة .. كلمات غاضبة .. ثم تجمهر واستعراض يشبه العروض السينمائية من حيث الكاميرات والمشاهدين وبدلة رقص على جسد شاب جرحت أعماقه جرحا لايداويه الزمن.
في دقائق، تحول الخلاف إلى استعراض قاسٍ للقوة لم يكتفِ المعتدون بالضرب أو الصراخ، بل قرروا أن تكون الإهانة علنية، أن تكون “عبرة” كما يقال، فكانت الفكرة الأكثر قسوة إجباره على ارتداء بدلة رقص والسير بها في الشارع أمام الناس.
لم يكن الألم في القماش الذي أُجبر على ارتدائه، ولا الاذلال والتعدي عليه بالضرب والسب، بل في العيون التي كانت تراقب في صمت، عيون تندهش، أخرى تضحك، وأخرى تلتقط المشهد بهواتف محمولة لتوثيق لحظة انعدام “النخوة” وموت الانسانية، وأخرى تبرر انها قضية عرض وشرف ولهم الحق في ذلك.
في تلك اللحظة، لم يكن شابًا في مشاجرة .. كان إنسانًا يُسلب منه شيء لا يُشترى ولا يُستعاد بسهولة كرامته.
الفيديو الذي انتشر لاحقًا لم يُظهر صوته، لكن الصمت كان أعلى من أي صراخ، وجه متجمد بين الخوف والذهول خطوات ثقيلة على إسفلت يعرفه جيدًا، لكنه بدا غريبًا فجأة.. الشارع الذي نشأ فيه، صار مسرحًا لإذلاله.
ربما تنتهي الواقعة بمحاضر وتحقيقات، وربما يُحاسَب المتورطون وفقًا للقانون، لكن هناك ما لا تُداويه الأحكام سريعًا. الإذلال العلني يترك أثرًا طويلًا، يرافق صاحبه في نظرات الناس، في همسات الجيران، في كل مرة يعبر فيها الطريق نفسه.
الأكثر قسوة أن المشهد لم يتوقف عند حدود الشارع. انتقل إلى الشاشات وتداولته الصفحات وصار مادة للتعليق والسخرية أحيانًا، وللتعاطف أحيانًا أخرى، وفي كل إعادة نشر، كانت اللحظة تتجدد، وكأن الجرح يُفتح من جديد.
هذه ليست قصة “بدلة رقص”، بل قصة مجتمع حين يغضب قد ينسى انسانيته. – حين يتحول الخلاف إلى عقاب علني. – حين يختلط الانتقام بالفرجة.
قد يخطئ الإنسان، قد يشتبك، قد يغضب، لكن لا شيء يبرر أن يُجرّد من إنسانيته أمام الناس.
في نهاية اليوم، عاد الشاب إلى بيته. -ربما أغلق الباب خلفه بهدوء. -ربما حاول أن يتظاهر بالقوة. لكن في الداخل، هناك لحظة ستبقى محفورة، لحظة شعر فيها أنه وحيد ويسلب منه اغلى مايملك وسط الجميع.
ويبقى السؤال الأثقل من كل شيء؟.. كيف نحمي كرامة الإنسان حين يصبح الشارع ساحة عقاب، والكاميرا شاهدًا بلا رحمة؟.