كرم بدرة يكتب: حين تصبح المؤسسة العسكرية مدرسة أمة
فبراير 12, 2026
كرم بدرة
في لحظات التحول الكبرى، لا تسأل الأمم نفسها عن حجم ما تملك، بل عن نوعية ما تُنتج من بشر.
فالمعركة الحقيقية ليست على الحدود فقط، بل في العقول، في الضمائر، وفي ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الفرد بوطنه.
منذ أن عرف المصريون الدولة الحديثة، كانت المؤسسة العسكرية أكثر من مجرد ثكنات وسلاح. كانت ـ في لحظات معينة ـ مدرسة للانضباط، ومصنعًا للقيادات، ومعملًا لصياغة مفهوم الواجب. ولم يكن سر قوتها في العتاد، بل في الفكرة: أن الانتماء يسبق الامتياز، وأن الواجب يسبق المصلحة.
اليوم، ونحن نعيش زمنًا تتداخل فيه الشاشات مع العقول، وتتسابق فيه الشائعات مع الحقائق، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف نصنع وعيًا قادرًا على التمييز؟ وكيف نعيد ضبط البوصلة الأخلاقية في مجتمع يتعرض يوميًا لرياح عاتية من التضليل والتشكيك؟
ليست القضية في أن تتحول كل مؤسسة إلى ثكنة، ولا أن يُختزل المجتمع في صيغة عسكرية، بل في أن نستعيد قيمة “النظام” بوصفه قيمة أخلاقية، لا مجرد تعليمات. النظام الذي يجعل الموظف يحترم وقته، والطالب يحترم علمه، والتاجر يحترم ميزانه، والمواطن يحترم قانون بلاده.
لقد شهدت مصر في فترات سابقة ـ خصوصًا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ـ حالة عامة من الانضباط الاجتماعي ارتبطت بروح المشروع الوطني. كان الإحساس بالمشاركة في بناء الدولة يمنح الناس معنى، وكان الإيمان بالهدف المشترك يصنع حالة من التضامن الأخلاقي.
لم يكن المجتمع آنذاك مجتمع ملائكة، لكنه كان مجتمعًا يعرف حدوده، ويؤمن بأن الدولة مشروع جماعي لا حلبة صراع فردي.
من هنا تبرز فكرة توسيع دور المؤسسات ذات الطابع المنضبط ـ كالأكاديمية العسكرية ـ في المجال المدني، ليس عبر عسكرة المجتمع، بل عبر نقل خبرة التنظيم والانضباط إلى فضاءات أوسع: برامج تدريب للشباب على القيادة، دورات في إدارة الأزمات، محاضرات في الأمن القومي بمعناه الشامل، ورش عمل في مواجهة الشائعات والحروب الفكرية.
العالم من حولنا تغيّر. لم تعد الحروب تُخاض فقط بالدبابات، بل بالمنصات الرقمية، ولم يعد إسقاط الدول يتم عبر الجيوش وحدها، بل عبر تفكيك الثقة بين المواطن ومؤسساته.
ولعل التجربة المصرية الحديثة في مواجهة موجات التطرف والإرهاب أثبتت أن المعركة الفكرية لا تقل أهمية عن المعركة الأمنية. فكل شائعة تُطلق بلا رد علمي مدروس، هي ثغرة. وكل وعي يتشكل على غير هدى، هو فراغ ينتظر من يملأه.
إن إعادة بناء المستوى الأخلاقي لا تكون بالشعارات، بل بالتربية المنظمة. ولا تتحقق بالخطابة، بل بالممارسة اليومية لقيم: الانضباط، التضحية، احترام القانون، والعمل الجماعي.
وهنا يمكن أن تلعب الأكاديمية العسكرية ـ بما تملكه من تقاليد صارمة وخبرة تراكمت عبر عقود ـ دور الشريك في مشروع وطني أوسع، مشروع يعيد تعريف “المواطنة” باعتبارها مسؤولية قبل أن تكون حقًا.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تستثمر في وعي أبنائها، تحصّن نفسها ضد التقلبات. وأن الدول التي تهمل التربية الأخلاقية، تدفع الثمن مضاعفًا في الاستقرار والاقتصاد والسياسة.
لسنا بحاجة إلى استنساخ الماضي، فالتاريخ لا يعود كما كان. لكننا بحاجة إلى استعادة روحه: روح الانضباط، وروح المشروع الوطني، وروح الإيمان بأن الدولة ليست جهازًا بعيدًا، بل كيانًا يعيش في سلوك كل فرد.
المعركة القادمة ـ إن صح التعبير ـ ليست فقط على التنمية أو البنية التحتية، بل على الإنسان نفسه. فإذا صلح الإنسان، صلحت المؤسسة. وإذا استقام الضمير، استقام القانون. وإذا عاد الانضباط قيمة عامة، عادت الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتلك ـ في النهاية ـ هي المعادلة التي تصنع الأمم القادرة على الوقوف بثبات.