مقالات

كرم بدرة يكتب: مصر بين وهج الثورة وعبء الدولة

قراءة في التاريخ بعين الشك… وبقلب الوطن

منذ طفولتنا ونحن جيل السبعينات، لم تكن الثورة مجرد كلمة في كتاب التاريخ، بل كانت وعدًا معلّقًا على جدار الوعي، وصورة رومانسية لبطولة مؤجلة، وحلمًا يُروى لنا قبل النوم كحكاية خلاص. كبرنا ونحن نردد: ثورة الضباط الأحرار، دون أن نسأل: هل كانت ثورة شعب أم حركة ضباط؟ وهل كانت بداية دولة جديدة أم إعادة توزيع للسلطة القديمة؟
قرأنا هيكل فظننا أننا نفهم السياسة، وقرأنا مصطفى محمود فظننا أننا نفهم الوجود، واستمعنا للشعراوي فاطمأن القلب أن الحق لا يضيع. لكننا حين كبرنا حقًا، اكتشفنا أن الحقيقة ليست واحدة، وأن التاريخ ليس نصًا مقدسًا، بل رواية تُكتب بالقوة قبل أن تُراجع بالعقل.
اليوم، وبعد أن هدأت الشعارات وارتفعت الأسئلة، يبدو واضحًا أن الملكية في مصر لم تكن ذلك الجحيم المطلق الذي صُوِّر لنا، كما أن الجمهورية لم تكن الفردوس الذي وُعدنا به، الضباط الأحرار أسقطوا نظامًا، لكنهم أسسوا دولة تمحورت حول المؤسسة أكثر مما تمحورت حول المواطن، كسبت الدولة سلطة، وخسر المواطن حلمًا، وتراكمت القوة  ,والديون بينما تآكل الأمل.
من عبد الناصر إلى السادات إلى مبارك، تغيّرت الاتجاهات السياسية وبقي جوهر المعادلة واحدًا: دولة قوية، وشعب ينتظر ثمار القوة. الإنجاز الأوضح في هذا المسار الطويل كان بناء جيش وطني، ظل رغم كل شيء العمود الفقري لفكرة الدولة المصرية. لكن لجسم يكسوه الجلد فوق العظم.
لم يكن الجيش مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان في لحظات كثيرة ضمانة وجود، وحدًّا فاصلًا بين الدولة والانهيار، وان هذا الجيش ان لم يكون في جسد سليم لن يستطيع وحده الخلاص.
ثم جاءت يناير.
جاءت جميلة، لأنها كانت صادقة. شباب بلا حسابات، ووجوه بلا أقنعة، وقلوب تؤمن أن الوطن يمكن أن يُستعاد بالصوت، لكن السياسة لا تحب البراءة، ولا تحترم الطيبة طويلًا. دخل اللاعبون الحقيقيون: أصحاب المصالح، ممولو الفوضى، محترفو الاستثمار في الدم.
تحوّل الشباب من وقود حلم إلى ضحايا واقع، هم من ماتوا، وهم من سُجنوا، وهم من دفعوا الثمن، أما المستفيدون فبقوا خارج الصورة: دول، أجهزة، أموال، وأجندات. الثورة التي تبدأ بنداء حر، تنتهي غالبًا بفاتورة يدفعها الأبرياء.
ومن يراقب المشهد من خارج الإطار يرى ما لا يراه من في قلب العاصفة: أن الثورات في عصر الاتصال ليست فعلًا شعبيًا خالصًا، بل شبكة مصالح دولية. أمريكا وإسرائيل ليستا فقط دولتين، بل منظومتين تتحكمان في السرد، في الصورة، في الغضب، وفي الاتجاه، تحريك الشعوب لم يعد يحتاج جيوشًا، بل يحتاج هواتف.
رأينا إيران، ورأينا تركيا، ورأينا محاولات في مصر. لكن مصر هذه المرة لم تنجُ بالحكومة، بل بالشعب. شعب لم يرفض الفوضى حبًا في السلطة، بل خوفًا على الدولة. أدرك بحدسه التاريخي أن القادم قد يكون أسوأ من القائم.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: أن الوعي لا يعني الرضا، وأن الصبر لا يعني القبول، وأن دعم الاستقرار لا يعني غياب النقد.
مصر اليوم، في سنوات السيسي الأخيرة، تبدو مقارنة بتاريخ طويل أكثر تماسكا. ليست كاملة، لكنها أقل هشاشة، ليست مثالية، لكنها أقرب لفكرة الدولة. ويبقى الأمل أن تكون السنوات القادمة أكثر دقة، اقتصاديًا وتعليميًا وصحيًا، لا بالشعارات، بل بالأرقام.
لكن جوهر المأساة العربية لم يكن يومًا في الشعوب، بل في الحكام حين ينسون أنهم بشر. حين ينسون أن لهم نهاية، وأن الصواب لا يسكن عقلًا واحدًا، وأن الكرسي ليس وطنًا.
حسني مبارك، في عام 2005، كان قد بلغ السابعة والسبعين من عمره، كان يملك فرصة تاريخية أن يغادر المشهد طواعية، أن يفتح بابًا للتجديد، وأن يكتب اسمه في صفحة الحكمة لا في صفحة الغضب. لو فعل، لخلّد التاريخ اسمه بصورة أخرى.
وكذلك بن علي، وكذلك القذافي، وكذلك صالح، وكذلك بشار في بدايات المشهد.
لو أدرك هؤلاء أن السلطة وسيلة لا غاية، لما سقطت دول، ولا تشردت شعوب، ولا سال هذا الكم من الدم.
وأتمنى بصدق الوطن لا مجاملة السياسة، أن يكون الرئيس السيسي مدركًا لهذه الحقيقة، وهو في تقديري يدركها: أن القوة لا تعني العصمة، وأن الحكم لا يعني امتلاك الحقيقة كاملة.
السؤال الحقيقي ليس: هل نحن مع الثورة أم ضدها؟
السؤال هو: هل نحن مع الدولة أم مع الفوضى؟
وهل نملك من الوعي ما يجعلنا نفرّق بين التغيير والهدم؟
لقد تعلمنا متأخرين أن الثورة ليست لحظة، بل مسؤولية. وأن الوطن لا يُدار بالهتاف، بل بالفهم. وأن الشعوب لا تُنقذها النوايا، بل العقول.
وفي النهاية، تبقى مصر محفوظة بثلاثة:
الله…
ثم الشعب…
ثم وعي الشعب.
أما الحكومات فتتغير،
والرؤساء يرحلون،
والشعارات تسقط،
لكن الوطن إن سقط… لا يعود.
زر الذهاب إلى الأعلى